تعتبر أشكال الاحتلال الأكثر خطورة هي تلك التي تتحول من السيطرة العسكرية العلنية المباشرة إلى هيمنة خفية تتغلغل في مفاصل الدولة عبر قدرات مالية وإدارية هائلة. وعند النظر بتمعن إلى المشهد العراقي بعد مرور أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي، نجد أنفسنا أمام واقع يشبه الاحتلال المقنع، حيث تتشابه الجذور والسياسات التدميرة، وإن اختلفت الوجوه والأدوات المستخدمة.
بعد سقوط بغداد بأقل من شهرين، وتحديداً في الثاني عشر من أيار/ مايو 2003، هبطت طائرة بول بريمر في العاصمة العراقية ليتولى رئاسة ما سمي بـ"سلطة الائتلاف المؤقتة". لم يكن بريمر مجرد إداري لمرحلة انتقالية، بل كان حاكماً مطلقاً بصلاحيات إمبراطورية، ولم تكن قراراته تهدف إلى بناء دولة أو توفير خدمات، بل صبت في مجملها نحو تفكيك بنية الدولة العراقية، وتحطيم الإنسان، ومحاولة محو التاريخ لصياغة مستقبل مشوه.
لقد وثق بريمر جانباً كبيراً من مهامه في مذكراته، وكانت أولى قراراته الكارثية حل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، مما أدى إلى هدم ركائز الدولة المدنية وإفراغ الوزارات من كوادرها. والمفارقة المؤلمة أن الحاكم الأمريكي اعترف في كتابه بأن الفوضى الأمنية وانتشار السلاح وظهور المليشيات كانت تحديات كبرى، لكن الواقع الذي عاشه العراقيون يؤكد أن إدارته لم تتجاهل هذه الفوضى فحسب، بل هيأت المناخ المناسب لنمو الجماعات المسلحة والصراعات الطائفية وكأنها تنفذ مخططاً معداً سلفاً.
لقد كانت العملية السياسية التي هندسها الاحتلال إحدى أسوأ مخرجات تلك المرحلة، حيث لم يجنِ الشعب العراقي منها أي نفع يذكر. على العكس تماماً، أصبحت كل دورة انتخابية وسيلة لإعادة إنتاج طبقة سياسية تتكالب على ثروات البلاد وتضرب بالقوانين عرض الحائط. إن بناء الدول لا يتم عبر صناديق الاقتراع في ظل مؤسسات متهالكة وانقسام مجتمعي، بل يتطلب أولاً بناء مؤسسات راسخة وتعزيز السلم الأهلي، وهو ما تعمدت إدارة بريمر تجاهله ليبقى العراق في دوامة الفشل المستمر.
اليوم، وبعد مرور 22 عاماً على ذلك الاحتلال، يجد العراق نفسه أمام سلطة أمريكية من نوع جديد تتمثل في منصب "الممثل الخاص" للرئيس دونالد ترامب في العراق. هذا المنصب المستحدث الذي أنيط بمارك سافايا، يبدو وكأنه استنساخ لدور بريمر ولكن بأسلوب يتناسب مع المتغيرات الدولية والإقليمية. ورغم اختلاف الظروف، فإن الأجندة تبدو واحدة: تحقيق المصالح الأمريكية عبر سياسات ظاهرها الإصلاح وباطنها إحكام القبضة على القرار العراقي وثرواته.
أصعب أنواع الاستعمار هو الذي يتحول من احتلال عسكري مباشر إلى هيمنة خفية تمتلك أدوات الإدارة والمال، ليعيد إنتاج الفوضى بوجوه جديدة.
وبينما ترك بريمر بصمات سوداء واضحة في تدمير البنية السياسية والعسكرية للعراق، فإن سافايا لم يترجم مهامه إلى واقع ملموس بعد. وقد صرح مؤخراً بأن المجتمع الدولي يرهن دور العراق الإقليمي بإنهاء ملف "السلاح المنفلت"، واضعاً البلاد أمام خيارين: إما بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، أو العودة إلى مربع الفوضى والتعقيدات التي أنهكت العراقيين لسنوات طويلة.
تتقاطع مهام الرجلين في الجوهر وتختلف في التفاصيل؛ فبريمر امتلك سلطة مطلقة في ظل غياب حكومة عراقية وبداية احتلال عسكري، بينما يأتي سافايا في وقت يقترب فيه الحديث عن انسحاب أمريكي وبعد تجارب انتخابية متعددة لكنها هشة. كما أن بريمر أدار الفوضى من داخل بغداد، في حين لا يزال سافايا يطلق التصريحات عن بعد، مع وعود بزيارة قريبة قد تكشف عن طبيعة الدور الذي سيلعبه.
وفي تطور لافت يزيد المشهد تعقيداً، التقى توم باراك، مبعوث ترامب لسوريا ولبنان، برئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وسط تكتم على فحوى اللقاء. هذا الحراك الدبلوماسي المكثف يطرح تساؤلات حول ما إذا كان باراك سيلعب دوراً مكملاً لسافايا أم بديلاً عنه في ترتيب الأوراق الأمريكية في المنطقة.
الخلاصة أن العراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة بالغة التعقيد تسبق تشكيل الحكومة المقبلة، وهي أيام حبلى بالأحداث السياسية وربما الأمنية. ويبقى السؤال المفتوح: هل سيكون "الحاكم الجديد" سافايا أكثر دهاءً وتأثيراً من سلفه بريمر في تكريس التبعية، أم أن المعادلات الداخلية ستفرض واقعاً مغايراً؟





שתף את דעתך
من بريمر إلى مبعوث ترامب الجديد.. هل يعيد التاريخ نفسه في العراق عبر احتلال ناعم؟