تعتبر استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 وثيقة مؤثرة تحدد مسار السياسة الدولية للعقد القادم، فهي لا تقتصر على تحديد التهديدات التقليدية، بل تقدم رؤية شاملة تعكس تحولاً في نظرة الولايات المتحدة إلى مكانتها في العالم. تشير تحليلات مراكز بحثية إلى أن الوثيقة تمثل انتقالاً من إدارة النظام الدولي إلى التنافس على تشكيله، في ظل عالم يشهد اضطرابات وتراجعاً في الثقة.
جوهر هذا التحول الاستراتيجي يكمن في الانتقال من الإدارة إلى التشكيل، وهو اعتراف بنهاية عصر القطب الواحد، وسعي واشنطن لفرض نموذجها وقيمها في مواجهة نماذج بديلة.
تضع الاستراتيجية الجديدة الصين في مقدمة التهديدات، وتصفها بأنها "خصم حضاري شامل". يعكس هذا الوصف قناعة أمريكية بأن الصين لا تسعى فقط إلى التفوق الاقتصادي والعسكري، بل تهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي وفقاً لنموذج حكمها المركزي ورؤيتها الخاصة للحداثة.
وفقاً لمراكز الدراسات، هذه هي المرة الأولى التي تنظر فيها واشنطن إلى الصين كقوة نظامية تسعى لتشكيل قواعد اللعبة الدولية بدلاً من التكيف معها. يتسع نطاق المنافسة بين الطرفين ليشمل التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتأثير في المؤسسات الدولية. استخدام مصطلح "الحضاري" يعمق الانقسام الأيديولوجي، ويرفع مستوى المنافسة إلى صراع وجودي بين نموذجين متنافسين يمتد إلى المؤسسات الثقافية والتعليمية.
على الرغم من استمرار الحرب في أوكرانيا، تتعامل الاستراتيجية الأمريكية مع روسيا كتهديد "حاد ومباشر" لأمن أوروبا، لكنها ليست منافساً شاملاً للنظام الدولي مثل الصين. تتبنى واشنطن مقاربة "إدارة الصراع" مع موسكو، للحفاظ على تركيزها الاستراتيجي على آسيا.
يرى خبراء أن هذا التحول قد يؤثر على الأمن الأوروبي، حيث يُخشى من تقليص انخراط الولايات المتحدة في القارة، مما يدفع الأوروبيين لتطوير مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" بشكل أسرع. هذا التمييز يكرس "الانتقائية الاستراتيجية" الأمريكية، حيث تعتبر روسيا تحدياً تكتيكياً ومؤقتاً يجب "إدارته" لتجنب تشتيت الانتباه عن محور التنافس في آسيا.
لا تخفي الاستراتيجية انتقاداتها لأوروبا، متهمة إياها بـ "التآكل الحضاري" نتيجة التحولات الديموغرافية والضغوط الاجتماعية الناتجة عن الهجرة والثقافات المتعددة. ترى الوثيقة أن هذه العوامل أضعفت قدرة أوروبا على حماية نموذجها الليبرالي.
أثار هذا القسم جدلاً واسعاً، حيث اعتبرت جهات أن واشنطن تنظر إلى أوروبا كالحلقة الأضعف في النظام الغربي. تبدو هذه الرؤية إشارة للأوروبيين لتقليل اعتمادهم الأمني على الولايات المتحدة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في موازين القوى العالمية. يؤكد هذا القسم أن الولايات المتحدة تستعد لـ "تقاسم العبء" بشكل أكثر صرامة، ويربط الأمن بالهوية، مما يظهر قلقاً أمريكياً عميقاً يتجاوز القدرات العسكرية إلى تماسك النموذج الغربي نفسه.
تتبنى الاستراتيجية الجديدة مبدأ "التحالفات المعيارية"، حيث تعطي الولايات المتحدة الأولوية للتعاون مع الدول التي تشترك معها في الهوية الحضارية والقيم السياسية، أكثر من تلك التي تتقاطع معها في المصالح فقط. يرى مراقبون أن هذا التحول قد يعمق الانقسام الدولي، لأنه يعيد ترتيب الدول وفق اعتبارات أيديولوجية وثقافية، بدلاً من المنطق البراغماتي الذي حكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. هذا التحول يمثل عودة إلى الاصطفافات الأيديولوجية والثقافية، مما قد يعمق الانقسام بين المعسكرات الدولية، على حساب العلاقات القائمة على المصالح المادية.
تضع الاستراتيجية الجديدة الصين في صدارة التهديدات، مستخدمة مصطلحا لافتا هو 'الخصم الحضاري الشامل'.
توضح الاستراتيجية أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية مضطربة، حيث تزداد القوى المؤثرة وتتناقص القدرة الأمريكية على ضبط الإيقاع العالمي. تبرز آسيا كالمسرح الرئيس للتنافس، مدفوعة بصعود الصين والهند وتوسع تأثيرهما في الاقتصاد والتكنولوجيا.
تؤكد الوثيقة أن التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية الرقمية والأنظمة ذاتية التشغيل وحروب الفضاء والفضاء السيبراني، ستكون الميدان الرئيس للصراع القادم. في هذه البيئة، تدخل أوروبا مرحلة من الشكوك حول مستقبل الضمانات الأمريكية، بينما تتزايد الدعوات لإنشاء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالية.
يرى محللون أن العقد القادم سيشهد تحالفات مرنة وصراعات طويلة وتنافساً أعمق بين النماذج الحضارية، في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع التكنولوجيا والقيم في آن واحد. النقطة الجوهرية هنا هي أن "من يملك التكنولوجيا، يملك مفاتيح المستقبل". هذا يرفع من قيمة "التنافس التكنولوجي" ليصبح مساوياً في الأهمية للتنافس العسكري والجيوسياسي.
تكشف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 أن الولايات المتحدة ترى نفسها في قلب صراع طويل على هوية النظام الدولي. فالصين خصم حضاري شامل، وروسيا تهديد يمكن ضبطه، وأوروبا حليف يحتاج إلى إعادة تأهيل، بينما تتحول التكنولوجيا إلى الركيزة المركزية للقوة في القرن الحادي والعشرين.
تشير هذه الرؤية إلى أن الولايات المتحدة تتجه إلى تركيز جهودها على آسيا، باعتبارها محور التنافس الحاسم. وهذا سيقود على الأرجح إلى تراجع نسبي للدور الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط، ما قد يخلق فراغات استراتيجية لن تستطيع القوى المتوسطة ملأها بسهولة.
أما على المدى البعيد، فإن العالم يبدو أنه متجه نحو نظام متعدد الأقطاب لكنه عالي التوتر، حيث تتداخل المنافسة في ثلاثة مجالات رئيسية: التكنولوجيا الفائقة، والموارد الاستراتيجية، والتحالفات القائمة على الهوية الثقافية والقيم.
إذا لم تُطوَّر آليات دولية لإدارة هذا التنافس، فإن العالم قد يدخل مرحلة "اللاسلم واللاحرب المستدامة" التي يتوقعها العديد من الباحثين في الأمن الدولي، مرحلة لا تشهد حروباً كبرى، لكنها لا تعرف سلاماً مستقراً كذلك.
إن هذه الاستراتيجية، في جوهرها، ليست وثيقة أمنية فحسب، بل خريطة للعالم القادم: عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع التكنولوجيا، ويتنافس فيه المنطق الحضاري مع المصالح الاقتصادية، وتعود فيه القوة إلى معناها الأكثر تعقيداً: من يملك التكنولوجيا، يملك مفاتيح المستقبل.
السيناريو المستقبلي المتوقع هو نظام عالمي غير مستقر، حيث تكون المنافسة المستمرة هي القاعدة الجديدة، بدلاً من السلام المستدام.





שתף את דעתך
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: تحولات في السياسة الدولية وتصاعد التنافس الحضاري