بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، يفرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياساته على دمشق، وبينما يبدو من المستبعد أن يكرر الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع نهج سلفه، إلا أن المصالحة والأمن وتحقيق العدالة للأقليات لا تزال أهدافًا بعيدة المنال.
في تحليل نشرته صحيفة عبرية، يرى المحلل السياسي تسفي برئيل أن ترامب طرح عقيدته الجديدة خلال زيارته للرياض، مشيرًا إلى أن "بناة الأمم" غالبًا ما يدمرون دولًا أكثر مما يبنون، وأن التدخلات الخارجية غالبًا ما تكون في مجتمعات معقدة لا يفهمها المتدخلون أنفسهم.
انتقد ترامب في خطابه التكاليف الباهظة التي أنفقها الرؤساء الأمريكيون السابقون في العراق وأفغانستان، ولكنه لم يذكر جورج بوش الذي بدأ الحملة الأكثر تكلفة في تاريخ أمريكا. وفي المقابل، صافح ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع ووعده بالدعم في بناء الدولة السورية.
يشير برئيل إلى أن الولايات المتحدة لا تنفق أموالًا في سوريا سوى على المساعدات الإنسانية، ولكن ترامب رفع معظم العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية عن الحكومة السورية، وأزال عن الشرع تصنيفه كإرهابي، ومنحه شرعية دولية، مما يمهد الطريق لبناء الدولة في سوريا.
ترامب لا يكتفي بدور المتفرج، بل يملي السياسة الخارجية والداخلية لسوريا، سواء بشكل مباشر أو عبر تركيا والدول العربية الداعمة لسوريا. على سبيل المثال، يدفع سوريا نحو ترتيبات أمنية مع إسرائيل، وربما الانضمام إلى اتفاقيات "أبراهام". وفي الوقت نفسه، يتفق مع الشرع والدول العربية على ضرورة بناء سوريا كدولة موحدة تحت حكومة مركزية واحدة، بدلًا من كانتونات شبه مستقلة.
يدفع ترامب الأكراد السوريين للانضمام إلى الجيش السوري، ولا يدعم الحكم الذاتي للدروز في جنوب سوريا، وفوّض تركيا والسعودية بتوجيه النظام السوري واستقراره. ورغم ذلك، لا تزال البلاد تبدو وكأنها مستودع لقطع الغيار، ينتظر الشرع ليجمعها ويبني منها دولة.
لا يزال نحو 35% من مساحة البلاد خارج سيطرة الحكومة، وتعيش الأقليات الرئيسية الثلاث (الأكراد والدروز والعلويون) في خوف على حياتهم ومصيرهم، ويطالب كل منهم بتقرير مصيره بنفسه. الأمن الشخصي بعيد المنال، والقتل والنهب والسرقة تحدث يوميًا، والخدمات العامة ونظام العدالة مجرد أفكار نظرية.
تلقى الشرع تعهدات بمساعدات بقيمة 28 مليار دولار، لكن هذه الأموال ستبقى مجمدة حتى يثبت قدرته على إدارة البلاد. ولا يزال ملايين اللاجئين والنازحين يخشون العودة إلى ديارهم.
أفكار المصالحة المدنية وتسوية الصراعات القديمة وتوزيع التعويضات تبدو مجرد أحلام بعيدة. وتظهر التجارب المريرة في العراق وأفغانستان أن من المستحيل فصل السياسة الداخلية عن السياسة الخارجية.
استقرار حكومة الشرع يتوقف على طبيعة العقد الاجتماعي الذي تُبرمه حكومته مع مواطنيها، وحتى الآن، النتائج غير مُشجعة.
يرى برئيل أن استقرار حكومة الشرع يتوقف على طبيعة العقد الاجتماعي الذي تُبرمه حكومته مع مواطنيها، وليس فقط على الأموال والاتفاقيات والأسلحة. وحتى الآن، النتائج غير مشجعة.
وضع الشرع دستورًا مؤقتًا وشكّل برلمانًا، وأجرى أول انتخابات في ظل النظام الجديد، إلا أن الدستور كان مفروضًا من قبل الحكومة، ومنح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة. ولم يُنتخب البرلمان عبر اقتراع عام، بل من خلال لجان مختارة خصيصًا، وعيّن الشرع 70 عضوًا من بين أعضائه البالغ عددهم 210 أعضاء.
شهد القضاء تطهيرًا واسع النطاق، وفُصل أكثر من 60% من القضاة، وتولى مناصبهم قضاة يفتقرون إلى التعليم القانوني، وميزتهم الوحيدة هي التخرج من كليات الشريعة الإسلامية.
يتطلع الشعب السوري إلى هذا النظام القانوني تحسباً لـ"العدالة"، والتي تعني محاسبة مرتكبي الجرائم خلال نظام الأسد، وأيضًا المليشيات التي ارتكبت مجازر بحق الدروز والعلويين. وبدأت محكمة عدل حلب النظر في قضايا 14 مشتبهًا بهم، ولكن المحاكمات أُجِّلت، ويخشى الكثيرون من أن العدالة لن تتحقق قريبًا.
الآليات الاقتصادية وإعادة الإعمار تثير الشكوك حول قدرتها على إدارة الفرصة المتاحة. وفي تموز/يوليو، نُشر تحقيق حول الآليات الاقتصادية الجديدة، وأفاد أن شقيق الرئيس، حازم الشرع، يشرف على اللجنة الاقتصادية ويقرر من يفوز بالمشاريع وبأي شروط.
يميل حازم الشرع إلى مقاطعة شركات رجال الأعمال الذين تعاونوا مع نظام الأسد، دون أن يعلم أحد أين تذهب عائداتها. وقد يكون لدى سوريا وزير اقتصاد ووزير مالية، لكنهما يشغلان مناصب رفيعة دون سلطة حقيقية. ويقول منتقدو الرئيس الجديد إن معظم آليات الحكم يديرها "رجال إدلب"، وإن الاختلاف الثقافي بينهم وبين مجتمع دمشق يُسبب احتكاكات يومية.
أعرب صحافيون وأكاديميون زاروا سوريا مؤخرًا عن إعجابهم بحرية التعبير الواسعة، والنقد الذي يتبادله المواطنون معهم علنًا، والحوار السياسي غير المقيد، وهي أمور كانت تعتبر مسألة حياة أو موت في أيام نظام الأسد. ولكن "الربيع السوري" ظهر مؤقتًا في بداية حكم بشار الأسد في عام 2000، ثم انتهى سريعًا.
من المرجح أن يكتشف الشرع قريبًا أن حرية التعبير خطيرة، وأن من مصلحته العودة إلى أساليب الإدارة القاسية التي أدخلها عندما كان يحكم محافظة إدلب.
من السابق لأوانه الجزم بأن الشرع سيسير على خطى الأسد ويصبح طاغية، ولكن لا يمكن تجاهل المؤشرات التي تُشير إلى تشكيل نظام استبدادي، قد يُفقده الشرعية الشعبية. فهل سيؤثر فقدان الشرعية المدنية أيضًا على الشرعية الدولية والدعم الدولي؟ وفي هذه الأثناء، يستطيع الشرع أن يعتمد على وعد ترامب بعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، وأن يعتمد على المجتمع الدولي الذي يميل إلى محبة الطغاة.





שתף את דעתך
سوريا بعد الأسد: تحديات المصالحة وبناء الدولة في ظل سياسات ترامب