منذ أشهر، يشغل "اليوم التالي" للحرب في غزة حيّزاً واسعاً من الخطاب الإقليمي والدولي، حيث تتزاحم التصورات حول إعادة الإعمار، وترتيبات الحكم، والضمانات الأمنية، وسبل الحؤول دون تجدد القتال. لكن خلف هذا الضجيج المتصاعد تكمن حقيقة أكثر جوهرية: معظم ما يُطرح لا يزال أقرب إلى أفكار نظرية وتمنيات سياسية من كونه خططاً عملية قابلة للتنفيذ. ويفتقر المشهد إلى إطار سياسي واضح، ورؤية مشتركة بين الأطراف، فضلاً عن غياب أي مسار واقعي يمكن البناء عليه بمجرد توقف القصف.
المشهد تغمره طبقات من التصريحات والمقترحات والتسريبات التي تُظهر وكأن هناك تفكيراً استراتيجياً عميقاً، لكنّ ما خلف هذا الضجيج هو خواء حقيقي. إذ تبدو الأطراف الدولية، بما في ذلك أقرب الحلفاء لواشنطن، عاجزة عن الاتفاق على الأسئلة الأساسية : من سيحكم غزة؟ كيف يُضمن الأمن؟ وما هي العملية السياسية – إن وجدت – التي قد تلي الحرب؟
وفي قلب هذا الاضطراب، تبدو الرؤية الأميركية نفسها غير مستقرة. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي قدّم نفسه راعياً للهدنة ومهندساً لـ"مجلس السلام" الذي يخطّط لرئاسته لإدارة غزة، لم ينجح حتى الآن في بلورة إطار سياسي واضح أو مفهوم لما يدور في ذهنه. فخطابه يغلب عليه الطابع الإنشائي، ويخلو من أي معالم تنفيذية أو بنية مؤسساتية واقعية. هذا الغموض الأميركي لا يضيف فقط بعض الضباب إلى المشهد، بل يخلق فراغاً تستغله الأطراف الأخرى لصياغة مقارباتها الخاصة.
ومن هنا تبدأ التمايزات الدولية بالظهور أكثر جلاءً: الأوروبيون يفضّلون التركيز على ملف الإعمار والمساعدات الإنسانية من دون التزامات سياسية واضحة، والدول العربية تؤكد الحاجة لبدء مسار جاد نحو تقرير المصير الفلسطيني، بينما تنقسم القوى الإقليمية حول مستقبل السلطة الفلسطينية وإمكانية تشكيل آلية دولية انتقالية لإدارة القطاع أو الإشراف عليه.
لكنّ كل هذه الرؤى تظل، عملياً، على هامش صنع القرار الحقيقي. فالمحرّك الأساسي اليوم هو الهامش السياسي الواسع الذي منحته إدارة ترمب لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. ورغم اللغة الأميركية المصقولة حول "انتقال مسؤول" و"خطة مستدامة"، فإنّ النهج الفعلي للإدارة منح إسرائيل حرية شبه مطلقة في تحديد مسار الحرب ونتائجها. لم تضع واشنطن شروطاً سياسية، ولم تربط دعمها العسكري بأي مسار تفاوضي، ولم تواجه رفض نتنياهو لأي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية.
بهذه المقاربة، حصل نتنياهو على تفويض غير معلن لفرض رؤيته الخاصة، وهي رؤية لا تستند إلى إستراتيجية طويلة الأمد بقدر ما تستجيب لمتطلبات بقاء حكومته. الحرب بالنسبة له ليست مجرد معركة أمنية، بل أداة لترتيب الداخل الإسرائيلي: الحفاظ على تماسك ائتلافه الهش، تأجيل الأزمات السياسية والقضائية، وتفادي الدخول في أي مسار سياسي قد يفرض عليه تنازلات. لذلك يتحول "اليوم التالي" بالنسبة له من فرصة لإعادة صياغة الواقع السياسي إلى عبء يفضّل إبقاءه معلّقاً.
وفي ضوء هذا الواقع، يُرجّح أن تواصل إسرائيل صياغة مستقبل غزة بما يتوافق مع مصالحها المباشرة: الإبقاء على مستويات مختلفة من السيطرة العسكرية، إنشاء مناطق عازلة داخل القطاع، أو الدفع نحو هياكل حكم محلية ضعيفة ومجزّأة تمنع عودة سلطة فلسطينية موحّدة. مثل هذه الترتيبات قد تخدم الأهداف الإسرائيلية المؤقتة، لكنها ستنتج بيئة غير مستقرة، وتُبقي غزة في دائرة الأزمات الإنسانية والسياسية.
في المقابل، تجد الأطراف العربية والدولية نفسها أمام معضلة مزدوجة، فهي ترفض تمويل إعادة الإعمار في غياب أفق سياسي حقيقي، وفي الوقت نفسه تفتقر للأدوات اللازمة لفرض هذا الأفق. أما فكرة وضع غزة تحت إدارة دولية انتقالية، التي تم تداولها في عدد من العواصم، فما تزال افتراضية بالكامل؛ إما لغياب الدول المستعدة لتحمّل تبعاتها، أو بسبب المعارضة الإسرائيلية لأي ترتيبات تضفي شرعية إضافية على المؤسسات الفلسطينية.
وهكذا يتحول النقاش العالمي حول غزة إلى مسرح دبلوماسي تغلب عليه الشعارات ويغيب عنه القرار. لغة الإعمار والحوكمة والإصلاح تبدو جذابة، لكنها تخفي فجوة متزايدة بين الخطاب والواقع. فالعجز عن صياغة إطار واقعي يُعيد إنتاج لفكرة خطأ أعمق: التعامل مع غزة كأزمة إنسانية لا كقضية سياسية مرتبطة مباشرة بجوهر الصراع.
وتبقى الحسابات السياسية لنتنياهو العامل الأكثر تأثيراً في رسم المستقبل. فوجوده السياسي أصبح مرتبطاً ببقاء الحرب وباستمرار الغموض المحيط بمرحلة ما بعد الحرب. أي وضوح في الرؤية المستقبلية سيضعه أمام استحقاقات سياسية لطالما سعى لتجنبها.
لقد ساهم النهج الأميركي في تعزيز هذا الغموض. فبعدم ربط الدعم العسكري بخطوات سياسية ملزمة، تركت واشنطن فراغاً ملأته إسرائيل بسياسات الأمر الواقع. وطالما ترفض الإدارة الأميركية استخدام نفوذها لصياغة إطار سياسي حقيقي، سيبقى "اليوم التالي" فكرة تُكرر في المؤتمرات والبيانات، لا خطة قابلة للإنفاذ على الأرض.





שתף את דעתך
اليوم التالي في غزة : خطاب وفير وغياب فاضح للخريطة السياسية