أدلى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بتصريحات لافتة في مقابلة إعلامية مع شبكة "فوكس نيوز" اليمينية يوم الأربعاء، 3 كانون الأول 2025، قال فيها إن ما سماه "الإسلام الراديكالي" لا يكتفي — بحسب وصفه — بإقامة "خلافة صغيرة" أو بالسيطرة على منطقة بعينها، بل يسعى إلى التمدد والسيطرة على "مزيد من الأراضي والمزيد من الناس"، محذراً من أن هذا التوجه يشكّل "تهديداً واضحاً ووشيكاً للعالم والغرب، وخاصة الولايات المتحدة التي يراها هؤلاء باعتبارها مصدر الشر على الكوكب".
ورغم حدة خطاب روبيو، فإنه لم يحدد الجهة أو الكيان الذي يتحدث عنه. فقد تجنّب ذكر أي تنظيم أو حركة بالاسم، ما جعل عبارته "الإسلام الراديكالي" فضفاضة وعائمة، قابلة للتفسير على نحو واسع يمسّ شريحة ضخمة من سكان العالم. وهذا التجنب ليس تفصيلاً لغوياً، بل يمثل نقطة إشكالية جوهرية في خطاب مسؤول دبلوماسي رفيع، إذ يحوّل تصريحه من موقف أمني محدّد إلى سردية ذات طابع ثقافي-حضاري تنسب التهديد إلى دين بأكمله وليس إلى جهات مسلحة بعينها.
ويشير خبراء الأمن القومي والدراسات الدينية عادة إلى ضرورة التمييز بين الجماعات المتطرفة في مناطق مختلفة — سواء كانت "داعش" أو "القاعدة" أو أي تنظيم يحمل مشروعاً مسلحاً — وبين مليار وثمانمئة مليون مسلم حول العالم. فعدم الفصل بين الدين والمتطرفين يفضي إلى نتائج عكسية، سواء على صعيد السياسات الأمنية أو على مستوى العلاقات بين الدول والشعوب.
يشار إلى أن خطاب روبيو، بصيغته الحالية، يعيد إنتاج أنماط طالما تناولها الباحثون في ما يُعرف بخطاب "الإسلاموفوبيا"، حيث يجري تصوير الإسلام كقوة موحدة ذات مشروع توسعي، وكأن المسلمين كتلة صلبة تتحرك وفق عقيدة عدائية واحدة. هذا النوع من التعميمات لا يخدم الفهم الدقيق للتحديات الأمنية، بل يقوّضه. كما أن إطلاق أحكام شمولية من مسؤول يشغل منصب وزير خارجية يطرح أسئلة حول أثر هذه اللغة على العلاقة مع شركاء واشنطن من دول ذات أغلبية مسلمة، الذين يعتمد عليهم صانع القرار الأميركي في ملفات حيوية مثل الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والتجارة والطاقة، بحسب الخبراء.
ويعتقد الخبراء في هذا السياق، إن تجاهل روبيو للتنوع الواسع داخل المجتمعات الإسلامية — سياسياً وثقافياً ومذهبياً — وإصراره على صياغة تهديد بلغة دينية جامعة، يعكس توجهاً يختزل العالم الإسلامي في صورة أحادية. مثل هذه المقاربات تُترجم عملياً إلى سياسات قد تزيد التوتر وتغذي خطاب الكراهية، بدلاً من معالجة جذور التطرف الذي يختلف باختلاف السياقات المحلية والاجتماعية والاقتصادية التي تنشأ فيها التنظيمات المسلحة.
كما إن توظيف مصطلحات غير دقيقة في توصيف التهديدات الأمنية يفتح الباب أمام تضليل الرأي العام، ويجعل من الصعب تقييم المخاطر الحقيقية. فبدلاً من الإشارة إلى الجهات التي تتبنى العنف أو المشاريع العابرة للحدود، يصبح الدين نفسه إطاراً للاتهام، ما يخلق صورة نمطية تُحمِّل ملايين الأفراد مسؤولية جرائم لا علاقة لهم بها. هذا الانزياح في المفاهيم يشجع على ثقافة الشك تجاه المسلمين داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويمنح المتطرفين — من الجانبين — مادة دعائية لاستدامة الانقسام.
ويعتقد الخبراء ، أن مثل هذه الخطابات تُضعف قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات طويلة الأمد في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، حيث تُعد الشراكات مع الحكومات والمجتمعات المسلمة عنصراً أساسياً في مجالات مكافحة الإرهاب، ومنع التطرف، ودعم الاستقرار. فالدول لا تتعامل فقط مع المصالح، بل أيضاً مع الخطاب السياسي لشركائها. وعندما يشعر الحلفاء أن واشنطن تتبنى رؤية اختزالية لدينهم أو ثقافتهم، يصبح التعاون أكثر هشاشة.
ويساهم الخطاب من هذا النوع كذلك في إعادة إنتاج سرديات "صراع الحضارات" التي أثبتت التجربة فشلها. فالعلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي ليست علاقة صراع مستمر، بل علاقة متعددة المستويات، يشكلها الاقتصاد والتعليم والسياسة والتحالفات والمصالح المشتركة. وإصرار مسؤول بحجم وزير الخارجية على توصيف الخطر بطريقة دينية مطلقة، يعيد عقوداً من العمل الدبلوماسي إلى الخلف ويُدخل السياسة الخارجية في منطق أيديولوجي لا يخدم الأمن .





שתף את דעתך
روبيو يحذر : الإسلام الراديكالي لا يكتفي بخلافة صغيرة بل يسعى للهيمنة العالمية