قُتل ياسر ابو شباب وسط روايات متضاربة عن المنفذين والظروف، إعلام الاحتلال سعى لحصر المشهد في صورة تصفية داخلية عابرة، لكن العمق يكشف ما هو أبعد؛ فلم يكن مجرد وجه ميليشيا هامشية، بل واجهة مشروع كامل حاول الاحتلال ومن خلفه تسويقه تحت عناوين براقة مثل "غزة الجديدة"، "المناطق الآمنة" و"الإدارة المحلية البديلة"، واليوم، جثته لا تمثل نهاية شخص فقط، بل شهادة وفاة مبكرة لهذا المشروع برمته.
أبو شباب كان مجرد واجهة لوهم أكبر من حجمه، الاحتلال أراد اختبار إمكانية خلق سلطة وظيفية بلا شرعية تاريخية ولا ذاكرة نضالية، سلطة تستمد قوتها من الاحتلال والدعم الخارجي لا من القواعد الشعبية، نموذج مصغر لإدارة استعمارية قديمة جديدة؛ إدارة الحد الأدنى من حياة السكان، وشراء الولاءات، وتحويل الخضوع الى ما يسمى "استقرار"، وفي الخطاب يتحدثون عن "حوكمة محلية" و"ادارة مدنية"، بينما الحقيقة انها امتداد لسلطة الغزاة بوجه محلي.
جذور الفشل لا ترتبط بشخص الرجل وحده، بل بسوء فهم الاحتلال لبنية غزة، فغزة ليست فراغا سياسيا ينتظر من يشغله، بل شعب عاش الحصار والحرب والتجويع، وخرج اكثر تماسكا، وعندما جرب الاحتلال سياسة "العصا والجزرة"، اكتشف ان الجزرة تفقد قيمتها حين تكون اليد التي تقدمها ملوثة بالدم، او حين يكون الثمن هو التخلي عن المقاومة وعن أبسط معاني الكرامة.
أبو شباب كان اداة فشلت في ان تتحول الى رمز، فالغزيون لم يروه حاميا او مشروعا للحياة، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع الاحتلال عبر سردية الخضوع بدلا من سردية المقاومة، لذلك جاء الرفض مبكرا؛ فالشرعية لا تولد من فوهة بندقية مستأجرة ولا من مال سياسي ملوث، بل من ذاكرة جمعية وشعور مشترك بالحق وامتلاك مفاتيح المستقبل.
ما حدث كان صدام سرديتين؛ سردية الاحتلال التي ترى السكان "رعايا" يمكن إدارتهم عبر وكلاء، وسردية غزة التي ترى نفسها صاحبة حق وأرض، لا كتلة تبحث عن "ممر آمن"، فانهيار المشروع خلال شهور يكشف خللا بنيويا في عقلية الاحتلال؛ فالقوة العسكرية قد تنتج سيطرة مؤقتة، لكنها لا تصنع قبولا سياسيا، يمكن شراء أفراد، لكن ذاكرة الشعوب لا تباع، يمكن فرض ادارة، لكن لا يمكن فرض قبول لها حين يكون الثمن التاريخ والمستقبل.
من هنا تبدو نهاية أبو شباب امتدادا لنهايات كثيرة في سجل الاستعمار؛ الوكيل يُستخدم ثم يُرمى، يحترق اسمه كما احترقت مشاريعه، وكل محاولة لإعادة تدوير النموذج بوجه جديد ستختصرها غزة، كما فعلت شعوب كثيرة من قبل، برصاصة واحدة، فما يقلق الاحتلال ليس موت الرجل، بل ما كشفه موته من ارتفاع منسوب المناعة في الوعي الجمعي، فالخيانة ليست صفقة مربحة، بل مقامرة خاسرة نهايتها معروفة، واي بديل سيولد ميتا سياسيا، حتى لو تنفس لبعض الوقت.
غزة اليوم تعيد كتابة المعادلة بلغة أشد وضوحا؛ لا شرعية تصنعها بنادق الغزاة، ولا استقرار بلباس الخضوع، ولا "غزة جديدة" تقوم فوق أنقاض غزة التي قاومت وصمدت، ابو شباب كان اختبارا، والنتيجة كانت نهائية وحاسمة، ليس في رفح فقط، بل في وعي جيل كامل يسجل نهاية جديدة، لكنها امتداد لنهايات وكلاء الاحتلال عبر التاريخ.





שתף את דעתך
غزة تعدم النموذج اللّحدي!