ד 26 נוב 2025 9:35 am - שעון ירושלים

إسرائيل على مفترق طرق: تآكل الديمقراطية وتراجع الدعم الدولي

رامي أبو السباع

في الآونة الأخيرة، برزت في داخل المشهد السياسي الإسرائيلي أصواتٌ عديدة تحذر من أن الدولة تمر بأخطر أزمة منذ تأسيسها. من بين أبرز هذه الأصوات السياسي والعسكري المخضرم ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ففي مقال رأي نشره على صحيفة هآرتس في شهر تموز من العام الجاري كتبَ باراك قائلاً إن "إسرائيل التي عرفناها والرؤية الصهيونيَّة تنهاران، ويجب تأمل الواقع بشجاعة". وفي السياق نفسه حذر نفتالي بينيت رئيس الوزراءِ الإسرائيلي الأسبق في مذكرة نشرها في عام 2022، من أن الدولة الإسرائيلية "تقف أمام اختبار حقيقي ومفترق طرق تاريخي"، مشيراً إلى أنها، "تشهد حالة غير مسبوقة من التآكل والانهيار". موشيه يعلون وزير الدفاع الأسبق يرى هو الآخر أن إسرائيل تعيش أخطر أزمة منذ قيامها، وأنها تسيرُ في اتجاه التهديد الوجودي.


فهل إسرائيلُ حقاً تعيش خطراً وجودياً؟

إن المتابع لمسار تطور الدولة الإسرائيلية يلاحظ أن ديمومتها ترتكز على ركيزتين أساسيتَين: الأولى تتمثل بوجود نظام حكم ديمقراطي علماني يضمن الفصلَ بين السلطات الثلاث. والثانية تتمثل بوجود دعم دولي، يضمن لإسرائيل تفوقاً سياسياً وعسكرياً في مختلف الميادين والمحافل. مما لا شك فيه أن هاتَين الركيزتين آخذتان بالاهتراء سريعًا، ما يهدد مستقبلَ إسرائيل.
في هذه المقالة سأتناول العطَب الحاصل في الركيزة الأولى، البنية الديمقراطية للدولة. على أن أخصص لاحقاً مقالة أخرى تتناول الاختلال الذي يدك الركيزية الثانية، الدعم الدولي. في كلا المقالين سأسعى لتسليط الضوء على مدى تأثير الاضطراب في هاتين الركيزيتن على مستقبل الدولة ومسارها القادم، مستنداً في ذلك إلى رؤى أكاديميين ومفكرين إسرائيليين ودوليين.
لقد شغل شكل الدولة المنشودة ونظامها الدستوري حيزاً مهماً في نقاشات الحركة الصهيونية منذ مؤتمرها الأول في بازل عام 1897، فانقسمت في ذلك إلى معسكرين رئيسَين: الصهيونية الدينية التي نادت بدولة دينية، والصهيونية العلمانية التي نادت بدولة ديمقراطية علمانية. مع اقتراب موعد إعلان الاستقلال في عام 1948 كانت الغلبة للمعسكر العلماني الذي أرسى نظام حكم ديمقراطي علماني، رأى فيه وسيلة لمنع احتكار السلطة، وتجاوز التباينات الثقافية والاجتماعية العميقة بين المهاجرين اليهود القادمين من خلفيات ومشارب متعددة، فضلًا عن أنه يخلق بيئة جاذبة للكفاءات والاستثمارات الغربية. غيرَ أن الخلاف بين المعسكرين لم ينته، بل ظل قائماً وتفاقم مع مرور الزمن، حتى مالت الكفة مؤخرًا لصالح المعسكر الديني الذي صعد إلى سدة الحكم، ما منحه قدرة أكبر على التغيير في بنية النظام، ولو بشكل جزئي في هذه المرحلة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ما مدى تأثير التغييرات التي يجريها المعسكر الصهيوني الديني في بنية النظام على مستقبل إسرائيل؟
لقد حاول العديد من الكتاب والمفكرين الإجابة عن هذا التساؤل، وكانت من أبرز وأعمق هذه المحاولات مقالة للأكاديميين الإسرائيليين دورون نافوت ويئير غولدشميدت، المحاضرين في جامعة حيفا، وعنوانها "تفكك دولة إسرائيل".
يعتقدُ نافوت وغولدشميدت أن الدولة الإسرائيلية تتعرضُ لمشروع تفكيك وتدمير يقوده المعسكر الصهيوني الديني بزعامة بنيامين نتنياهو، عبر إدخال تغييرات جذرية على بنية الدولة وطابعها الليبرالي. يستند المؤلفان في فرضيتهما إلى تحليل مفصل لسياسات الحكومة تجاه أربع ركائز أساسية تمثل عصب النظام الليبرالي للدولة: المالية، إنفاذ القانون، الدفاع، والقضاء. وفي كل محور من هذه الأربع محاور يقدم نافوت وغولدشميدت عدداً من الأمثلة والشواهد على ما تقوم به حكومة نتنياهو من إخلال بمبدأ فصل السلطات الثلاث، وإضعافِ أسس الديمقراطية.
ومن بينِ أبرز الاستنتاجات التي توصل إليها الكاتبان أن الحكومة الحالية عملت على إضعاف متعمد لمؤسسات الدولة والتوغل على مبدأ فصل السلطات الثلاث. فوفقاً لنافوت وغولدشميدت، طرحت حكومة نتنياهو سلسلة من المقترحات التشريعية والإصلاحات والتدابير السياسية الرامية إلى إضعاف الدولة، تحت شعاري "الحوكمة" و"السيادة". وشملت هذه الجهود تقويض استقلالية البيروقراطية الاقتصادية، ومبادرات تشريعية لإضعاف القضاء، وتسييس أجهزة إنفاذ القانون. ولم تكتفِ الحكومة بذلك، بل عمدت إلى جعل التعيينات في الخدمة المدنية والعسكرية تعتمد على مبدأ الولاء الشخصي والولاء السياسي بادعاء أن مؤسسات الدولة لا تمثل المصلحة العامة، وأن القائمين عليها يخدمون مصالحهم الشخصية أو أجندات اليسار، وأنه لا سبيل للتغلب على ذلك إلى عبر تغيير آلية التعينات. وهو ما يرى فيه الكاتبان تقويضا لمبادئ الشفافية والموضوعية والنزاهة والحيادية التي تقوم عليها الديمقراطيات. غير أن الاستنتاج الأهم الذي توصل إليه المؤلفان هو أن سياسات الائتلاف الحاكم تخدم في المقام الأول مصالح اليهود الأرثوذكس والمتدينين على حساب بقية طبقات المجتمع، خصوصاً الطبقة المتوسطة والعلمانيين، وهو ما ما يسهم في تفاقم الانقسامات الاجتماعية، وتقويض أُسس المساواة والعيش المشترك.

يتقاطع مع هذا الطرح عدد من الكُتاب والمفكرين الإسرائيليين والدوليين، فمثلاً المحللُ والكاتبُ الإسرائيلي روغِل ألفِر يرى أن التآكل السريع للضوابط والتوازنات الليبرالية التقليدية أفقد المشروع الصهيوني جاذبيته، وأن إسرائيل اليوم تعيش حالة تمزق بين يمين متطرف يسعى إلى فرض ديكتاتورية دينية، ويسار عاجز عن الدفاع عن الديمقراطية. هذا التمزق اعتبره كل من المؤرخ الإسرائيلي البارز إيلان بابِه، والمفكر اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي، بمثابة أحد المؤشرات على بداية النهاية للمشروع الصهيوني.
نافوت وغولدشميدت، وألفِر، وبابِه، وتشومسكي، وغيرُهم خلَصوا إلى أن إسرائيل، في مسارها الحالي، تنحرف نحو نظام غير ليبرالي ذي نزعة استبدادية. وفي ظل مجتمع متعدد الخلفيات الثقافية والاجتماعية، يبدو أن العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع بات مهددا بالانهيار، وهو ما يَزج بالبلاد في مسار محفوف بالمخاطر، منها على سبيل المثال فقدان الدولة قدرتها على إدارة أزماتها كما حدث صباح السابع من اكتوبر وما تبعه، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقانون، وهروب الاستثمارات والكفاءات، وتزايد ظاهرة الهجرةِ العكسية.
وتعزز هذا الاستنتاج بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، التي أظهرت أن ميزان الهجرة قد انقلب لأول مرة منذ قيام الدولة، إذ بلغ عدد المغادرين من البلاد العام الماضي حوالي 82 ألف شخص، متجاوزًا عدد القادمين إليها، الذي لم يتعد 31 ألف مهاجر فقط. كما أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن اثنين وعشرين بالمئة فقط من المستطلعة آراؤهم متفائلين بشأن التماسك الاجتماعي في البلاد.
في هذا المقال، سلطتنا الضوء على المخاطر التي تواجه إسرائيل نتيجة محاولات المعسكر الصهيوني الديني تغيير بِنية الدولة الديمقراطية والعلمانية، مستفيدين من رؤى أكاديميين ومفكّرين إسرائيليين ودوليِّين. وخلصنا إلى أن العبث الجاري في بِنية إسرائيل الديمقراطية يفقدها جاذبيَتها وتماسكها ويدفعها نحو مستقبل سوداوي قاتم.


תגים

שתף את דעתך

إسرائيل على مفترق طرق: تآكل الديمقراطية وتراجع الدعم الدولي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.