ה 20 נוב 2025 10:03 am - שעון ירושלים

صديقي الصيني .. مستر فو

فادي قدري أبو بكر

في نيسان/ أبريل من عام 2018، كنت أمثّل وفد منظمة التحرير الفلسطينية في ورشة العمل الوزارية حول الحوكمة في الدول النامية، التي نظّمتها وزارة التجارة الصينية. كنتُ آنذاك أعمل في دائرة العلاقات الدولية/ م.ت.ف، أحمل قضايا وطني وأحاول أن أقدّم الصورة الأصدق عن فلسطين. وهناك، في إحدى قاعات الوزارة الواسعة والعابقة بنفس الدولة الصينية الحديثة، التقيت للمرة الأولى شاباً صينياً هادئ الطباع، اسمه فو يو لينغ، لكننا كنا نناديه باسمه الإنجليزي كما يحب "Rain".
كان مستر فو في تلك الفترة موظفاً صغيراً، مساعداً إدارياً لا يلفت الانتباه كثيراً، لكنه كان يملك شيئاً لا يُشترى: شغفاً حقيقياً بعمله، وابتسامة دائمة، وقدرة على التنظيم والانضباط تشي بأن هذا الشاب سيكون له شأن في يوم من الأيام. وبالفعل، غادرت الصين في ذلك العام وأنا أحمل ذكرى لقاء عابر، ترك في نفسي أثراً طيباً دون أن أتوقع أن للقدر كلمة لاحقة.
مرّت سبع سنوات، تغيّرت خلالها ملامحنا قليلاً ونضجت أحلامنا، وتحوّلت مواقعنا كما تحوّل العالم من حولنا. في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، كان لي شرف رئاسة وفد دولة فلسطين في الندوة الدولية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول النامية، التي نظّمتها شركة الاستشارات الاقتصادية الدولية الصينية المحدودة، بدعم من وزارة التجارة الصينية. وقد مثّل وفد فلسطين الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال الإسرائيلي والابرتهايد، حاملاً صوت فلسطين وقضاياها على الصعيد الدولي.
وقبيل بدء الحفل الافتتاحي، التفتُّ فإذا بوجهٍ مألوف يطلّ عليّ، يشبه ذكرى قديمة تعود بي إلى عمق عام 2018. كان هو… مستر فو، لكن هذه المرة لم يكن مساعداً إدارياً، بل أصبح مدير البرنامج المعني بتنظيم الورشات والندوات الدولية ونائب المدير العام لقسم الأعمال الدولية في الشركة نفسها.
وقف أمامي بثقة شخص شقّ طريقه بجدارة، وبابتسامته ذاتها التي تزداد عمقاً مع السنين. تعانقنا كأصدقاء، واستعدنا في دقائق قصص أول لقاء، والدهشة التي جمعتنا حين استرجعنا تفاصيل كانت تبدو بعيدة، فإذا بها حاضرة وحيّة كما لو أنها حدثت بالأمس.
لا شيء يحدث صدفة.. أو لعلّ الصدفة هي الطريقة التي يخبرنا بها القدر أنه يرسم لنا خطوطاً  لا نراها إلا حين نلتفت للخلف.
لقائي بمستر فو بعد سبع سنوات لم يكن مجرد مصادفة شخصية، بل محطة تأمل في الفارق بين تجربتين: كيف تُصنع الكفاءات في بيئة تؤمن بالشباب؟ وكيف تُهدر في بيئة تخشى قدراتهم؟
فالصين- كما يعرفها كل من زارها- دولة تُقدّر الجهد، وتؤمن بتمكين الشباب، وتمنحهم فرصاً حقيقية ليصعدوا السلم المهني. لم يكن مستر فو أكبر سناً مني، ولم يكن أوفر حظاً، لكنه كان ابن مؤسسة تحتضن الكفاءة بدل أن تخشاها… ترفع أصحاب العطاء بدل أن تضع العراقيل في طريقهم.
أما نحن، فكثيراً ما نواجه محاولات تهميش ممنهجة، يقوم بها من يخشون طاقات الشباب لا من يثقون بهم. وهذه المقارنة ليست مجرد تعليق عابر، بل هي درس مؤلم وضروري:
تقدّم الأمم يبدأ حين تتصالح مع كفاءاتها، وتدرك أن المستقبل لا يُبنى بالأقدمية بل بالقدرة على الإبداع.
ومع ذلك، يبقى في اللقاء بعد غياب سبع سنوات شيء جميل يتجاوز كل هذا التحليل: إحساس بأن العالم صغير حقاً، وأن العلاقات الإنسانية أقوى من الحدود، وأن الذكريات الصادقة تجد دائماً طريقاً للعودة.
مستر فو لم يعد مجرد موظف صيني تعرفت عليه في ورشة عام 2018. لقد أصبح صديقاً، وشاهداً على رحلة متقاطعة بين فلسطين والصين، بين تجربتين ومكانين وثقافتين .. وصوتاً يذكّرني في كل مرة بأن الأحلام تحتاج إلى بيئة تحتضنها، وأن القدر أحياناً يعيد ترتيب القصص ليمنحها معنىً جديداً.
لنتعلّم من الصين…ولنتمسّك بصداقات تبقى رغم تغيّر المناصب والسنوات.

תגים

שתף את דעתך

صديقي الصيني .. مستر فو

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.