ليست عادتي أن أكتب عن الكتّاب، ولا أن أقدّم شهادات في حقّ من يحملون القلم، لكنّ بعض التجارب تفرض نفسها، وبعض الأشخاص يتركون في القلب أثرًا لا يمكن تجاوزه. واليوم، وأنا أقرأ المقال رقم 1000 لصديقي الكاتب عبد الغني سلامة، شعرت أنّ عليّ واجبًا تجاه رجل يستحق أن يُكتب عنه، لا مجاملةً ولا تزيينًا، بل اعترافًا بقيمة إنسانية وفكرية التقيت بها وأنا بعيد عن وطني، في العراق.
تعرفت على هذا الرجل بوصفه مهندسًا، لكن ما لم أكن أتوقعه يومها أن خلف هذه الدقة العلمية يقف كاتب جريء، ناقد، واسع الاطلاع، متعدد المفاهيم والمسارب؛ كاتب لا يسكن زاوية واحدة، ولا يتحصن خلف رأي جامد، بل يمضي وكأنه يحمل في داخله ورشة تفكير لا تهدأ، وروحًا تسأل وتجادل وتبحث عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة أو مخالفة للمألوف.
حين تقرأ لعبد الغني، تشعر أنك أمام عقلٍ لا يكتفي بما يُقال، ولا يكتفي بما يُطلب منه، بل يكتب كأنه في سباق مع ضميره، قبل أن يكون في حوار مع القارئ. هذه الجرأة المتزنة، التي لا تسعى لإرضاء أحد ولا لمناكفة أحد، هي ما جعلتني -منذ اللقاء الأول - واحدًا من المعجبين به، وبقدرته على أن يكون كاتبًا… دون أن يتخلى عن كونه إنسانًا.
المقال الألف ليس رقمًا عابرًا؛ إنه شاهد على مسيرة رجل كتب وهو يرى العالم يتغير حوله، وكتب وهو يسمع دقات الحرب، وكتب وهو يرى الناس تتألم وتمضي، وكتب من أجل وطن يتقاطع فيه الأمل مع الوجع، ويتصارع فيه الفكر مع الخراب. ومع ذلك، بقي وفيًا لقلمه، صادقًا مع نفسه، رافضًا أن يكون أسيرًا لرغبة قارئ، أو مراضاة مسؤول، أو مزاج شارع. هذه الاستقلالية الفكرية، التي لا يُحسنها إلا القليل، هي ما يجعل عبد الغني صوتًا يستحق الإصغاء.
إنّ ما يميّز عبد الغني ليس مهارته في التحليل ولا عمقه في النقد فحسب، بل ذلك المزج النادر بين صلابة الموقف ورهافة الشعور؛ يكتب في السياسة وكأنه خبير، وفي المجتمع كأنه واحد من ناسه، وفي الألم كأنه عاش كل التفاصيل. يستطيع أن يواجهك بحقيقة قاسية، ثم يفتح لك نافذة أمل في السطر التالي، وكأنه يقول للقارئ: "لسنا وحدنا ... ما زال في العالم ما يستحق أن نفكر لأجله".
ولأن المقام مقام إنصاف، فإن بلاغته لا تقف عند حدود اللغة، بل تتعداها إلى النية: نية إصلاح، نية كشف، نية مواجهة، نية انتصار للإنسان. وهذه النية هي ما يجعل كلماته تشبه شهادة صادقة أكثر مما تشبه مقالة.
لهذا، كان من الطبيعي أن أكتب اليوم عنه. لأن الرجل الذي يصل إلى مقاله الألف، ويحافظ رغم ذلك على ذات النبرة الصادقة، والجرأة المسؤولة، والوعي الحاضر، هو كاتبٌ لا يكرّر نفسه ولا يكرر غيره. ولأن الصداقة التي جمعتنا في العراق لم تكن صدفة، بل كانت لقاء بين عقلين يؤمنان بأن الكلمة ليست مجرد حبر، بل واجب أخلاقي وطني وإنساني.
إلى صديقي العزيز عبد الغني سلامة…
لك أن تفخر بمقالاتك، ولك أن تواصل الطريق، فهناك من يقرأك بإعجاب، ومن يتوقف أمام كل كلمة تكتبها ليرى انعكاسه فيها.
وما كتبته اليوم ليس تكريمًا لك فقط ولكن اعتراف مني:
أنك واحد من القلائل الذين يستحقون أن يُكتب عنهم في المقال الألف ... وأكثر.
ה 20 נוב 2025 9:55 am - שעון ירושלים
في حضرة المقال الألف… شهادة امتنان لكاتب لا يشبه إلا نفسه
بقلم : د. ياسر أبوبكر





שתף את דעתך
في حضرة المقال الألف… شهادة امتنان لكاتب لا يشبه إلا نفسه