في فلسطين، تتعدد أشكال الطب، ولكن المريض في النهاية يواجه المشهد ذاته: اكتظاظ، تأخير، وتفاوت في الخدمات.
فبين الطب الحكومي والخيري والخاص، تتوزع جهود الأطباء، لكن تبقى المنظومة الصحية بحاجة إلى "طب إداري" قبل أي شيء آخر.
الطب الحكومي هو العمود الفقري للرعاية الصحية في الوطن. يمتاز بخبرة الكوادر الطبية، وتوفّر الخدمات الكبيرة التي تمتدّ لكل المحافظات، إلا أنه يرزح تحت ضغط هائل يفوق طاقته الاستيعابية.
ففي كل قسم من أقسام المستشفيات الحكومية، تجد الأَسِرّة ممتلئة، والطواقم مرهقة، والأجهزة تعمل على مدار الساعة. هذا الضغط ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمية لعدم إنشاء مستشفيات جديدة في مراكز المدن أو القرى المحيطة، ما يجعل المستشفى الحكومي "قبلة المرضى" من كل التجمعات الريفية في المحافظة.
ولذلك، تتزايد شكاوى الناس من ضعف الخدمات، في حين أن أصل المشكلة يكمن في غياب التخطيط الاستراتيجي الصحي، وليس في كفاءة الأطباء أو الطواقم.
أما الطب الخيري، المتمثل في الجمعيات مثل الهلال الأحمر وأصدقاء المريض وغيرها، فقد بدأ رسالته الإنسانية منذ عقود، لكنه اليوم يواجه تحديات قاسية.
نقص الدعم المجتمعي والتمويل الخارجي أجبر هذه المؤسسات على تقديم خدماتها بشكل مدفوع، وبأسعار تفوق أحيانًا ما يقدمه القطاع الحكومي.
ورغم أن تجهيز الأقسام غالبًا ما يتم بجهود "المحسنين من أبناء الوطن"، حيث ترى اللافتات تزين الجدران "تم تجهيز هذا القسم على نفقة المحسن فلان"، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الإدارة.
فحين تتشكل الهيئات الإدارية من شخصيات عامة اعتبارية تفتقر إلى الخبرة الطبية والإدارية، أو حين تتصارع على المناصب، تضيع البوصلة وتتحول الجمعية من رسالة إلى مؤسسة تعاني سوء التنظيم والارتباك.
أما الطب الخاص، فقد ازدهر خلال العقدين الأخيرين، وبرزت عيادات متخصصة ومراكز حديثة للأشعة والمختبرات، لكنه في المقابل بات بعيدًا عن متناول الفقراء.
فالطب الخاص، رغم تميزه في بعض التخصصات، يعمل بمنطق الربح لا الخدمة، ولا يخضع في كثير من الأحيان لرقابة حقيقية على الأسعار أو جودة الخدمة.
في المجمل، يمكن القول إن في فلسطين أطباء كثيرين، لكن لا يوجد "نظام طبّي" متكامل.
فالأطباء يمتلكون الكفاءة والخبرة، ولكن الخلل يكمن في إدارة المنظومة الطبية: تداخل في الصلاحيات، تأخر في صرف الرواتب، ضعف في التنسيق بين الأقسام، ونظام إداري يجعل المريض أحيانًا “رهينة اسم الطبيب” الذي سُجِّل على ملفه.
فبمجرّد إدراج اسم الطبيب في الملف الطبي، يصبح المريض مرتبطًا إداريًا وماليًا بذلك الطبيب وحده، ما يصعّب على الطبيب إشراك زميل آخر في أي استشارة أو معاينة، حرصًا على ألا يُقسَّم العائد المالي أو تُشارك النسبة بين أكثر من طبيب.
وبذلك، يتحوّل الملف الطبي إلى ملف حسابي، وتغيب روح التعاون الطبي داخل المستشفى، فيجد المريض نفسه أسير اسم واحد لا يمكن تجاوزه، حتى لو كانت حالته تحتاج إلى تخصص آخر أو رأي إضافي.
وهنا يفتح هذا الخلل بابًا واسعًا لإفساد الطبيب أو دفعه للتصرف بطرق غير مهنية، كأن يقوم بإدخال المريض للمبيت في المستشفى وهو لا يحتاج فعليًا إلى المبيت، أو أن يجري له فحوصات وإجراءات إضافية غير ضرورية، فقط لتثبيت حالة أو تحقيق منفعة إدارية أو مالية.
ومع تراكم الضغوط وقلة الحوافز وتأخر الرواتب، يُدفَع بعض الأطباء إلى البحث عن عائد مالي من المريض بدلًا من المستشفى، فيتحول الواجب المهني إلى معادلة مادية غير عادلة، يكون المريض فيها الطرف الأضعف.
وكل ذلك نتيجة غياب نظام رقابة واضح وعدالة في توزيع المسؤوليات والمكافآت، تجعل الطبيب والمريض معًا ضحيتين لنظام إداري مريض يحتاج إلى علاج عاجل.
إن الطب في فلسطين بحاجة إلى إصلاح هيكلي إداري شامل، يعيد تعريف العلاقة بين الطبيب والمريض والمؤسسة.
نحتاج إلى بناء نظام صحي يُعامل المريض كإنسان لا كرقم، ويمنح الطبيب استقراره الوظيفي وكرامته المهنية، ويعيد للمستشفى الحكومي هيبته، وللجمعيات الخيرية رسالتها، وللقطاع الخاص توازنه بين الربح والمسؤولية.
فلا يكفي أن يكون لدينا "أطباء مميزون" إن كان النظام مريضًا.





שתף את דעתך
فلسطين… أطباء بلا طب! قراءة في أزمات المنظومة الصحية بين الحكومي والخيري والخاص