واشنطن- "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات
في مشهد يعكس حرج اللحظة السياسية أكثر مما يعكس بروتوكول الاستقبال، وصل الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى العاصمة الأميركية واشنطن يوم الاثنين، لكنه لم يدخل من المدخل الرئيسي للبيت الأبيض كما جرت العادة مع الزعماء الأجانب، بل سلك مدخلاً جانبياً بعيداً عن عدسات الصحافة، في إشارةٍ فسّرها مراقبون بأنها رسالة مزدوجة: ترحيب مشروط، وانفتاح محسوب من إدارة الرئيس دونالد ترمب تجاه شخصية ما زالت مثيرة للجدل في الأوساط الأميركية.
تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه المفاوضات الأميركية ـ السورية ـ الإسرائيلية زخماً متزايداً حول اتفاق أمني ثلاثي يجري بلورته برعاية واشنطن، ويهدف إلى إعادة رسم خطوط التماس في جنوب سوريا، وضبط الحدود مع الجولان المحتل، مقابل خطوات تدريجية لرفع العقوبات الأميركية وتسهيل المساعدات الإنسانية. ووفق مصادر مطلعة، يتضمن الاتفاق المقترح انسحاب الميليشيات غير السورية من الجنوب، وتنسيقاً ميدانياً محدوداً مع الجيش الإسرائيلي بإشراف أميركي مباشر.
إلا أن ما اعتبرته إدارة ترمب "اختراقاً محتملاً في ملف الاستقرار الإقليمي" أثار عاصفة سياسية في الداخل الأميركي. فقد وصفت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين (من ولاية جورجيا) زيارة الشرع بأنها "إهانة لدماء الأميركيين"، مطالبة بطرده فوراً، ومؤكدة أنه "إرهابي سابق" في إشارة إلى ماضيه حين كان يُعرف باسم أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.
ورغم أن واشنطن كانت قد رصدت قبل سنوات مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار للقبض عليه، فإن الإدارة الأميركية رفعت اسمه من لوائح الإرهاب عام 2024 بعد تقارير استخبارية أكدت تخليه عن العمل المسلح وتحوله إلى قيادة مجلس انتقالي مدعوم من أطراف إقليمية ودولية.
ترمب، من جانبه، تجاهل الانتقادات الداخلية قائلاً للصحافيين بعد لقائه المغلق مع الشرع: "نحن نتحدث إلى من يستطيع صنع السلام. هدفنا إنهاء الفوضى في سوريا وإعادة جنودنا إلى الوطن بأمان". لكن المراقبين يرون أن اللقاء الذي جرى خلف الأبواب المغلقة، من دون مؤتمرات صحفية أو صور رسمية، يعكس حذراً أميركياً واضحاً من ردود الفعل، سواء داخل الكونغرس أو من جانب إسرائيل التي تراقب بدقة هذا الانفتاح الجديد على دمشق.
ويرى محللون في واشنطن أن الزيارة تمثل تحولاً في مقاربة الإدارة الأميركية تجاه الملف السوري، إذ تحاول الولايات المتحدة اختبار إمكانية إدماج النظام الانتقالي في منظومة "الاستقرار الإقليمي" التي تتشكل حول إسرائيل ودول الخليج. ويقول الباحث في منتدى الأطلسي للسياسات، دانا ستريكلاند على منصة X إن "البيت الأبيض يختبر فرضية مفادها أن العدو السابق يمكن أن يتحول إلى شريك أمني إذا توفرت له الحوافز والرقابة الدولية".
لكن هذا الانفتاح، بحسب محللين آخرين، قد يصطدم بجدار من الشكوك العميقة حول نيات الشرع وقدرته على فرض سيطرته داخل سوريا الممزقة بين نفوذ محلي وإقليمي متداخل. كما أن ربط المساعدات الأميركية بأي تفاهم أمني مع إسرائيل يثير حساسية في الشارع السوري والعربي على حد سواء.
ورغم غياب إعلان رسمي عن اتفاق نهائي حتى مساء الاثنين، أكدت كل من واشنطن ودمشق أن المفاوضات حول الإطار الأمني السوري ـ الإسرائيلي ستستمر خلال الأسابيع المقبلة تحت الرعاية الأميركية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها بداية "تطبيع أمني هادئ" قد يفتح الباب أمام تسويات أوسع في المنطقة.





שתף את דעתך
الشرع في واشنطن وسط انفتاح أميركي حذر ومساع لتطبيع أمني بين سوريا وإسرائيل