هاتفني الصديق الفنان الملتزم جمال النجار المقيم في رومانيا، وأخبرني بوجوده في رام الله مع صديقٍ عزيز، وسيأتي بصحبته إلى اتحاد الكُتّاب، قبل شهرين، وهو ما كان.
دخل بصحبة النجار رجلٌ ظهرت عليه علائم الاقتدار والهيبة، لم تُعقه إصابةٌ نصفيّة في اليد والرجل على ما يبدو جعلت حركته متثاقلة بعض الشيء.
عرّف نفسه بأنه الكاتب والمترجم أحمد جابر (ريمون )، وتربطه علاقة قربى ببطل عملية الدبويا الفدائي الفذ عدنان جابر رحمه الله، والزجّال المناضل يونس جابر (أبو فادي) الذي جاور الكبيرين يوسف الحسون وأبا عرب وكبار زجّالي لبنان.
للوهلة الأولى شعرت أن الرجل أبعد من أن يكون كاتبًا ومترجمًا وإعلاميًا فقط، كما قدّم نفسه بكل تواضع، يلفّه الخجل. حاولت استدراجه لينفتح على ماضيه، فكان نبع ماءٍ تدفّق بكل عفوية، يترقّق بكل نقاءٍ وصفاء. وكلما أوغل في سرديّته، سرح ذهني إلى كتاب البطولة والتضحية، زمن الفدائيين بكل ما تحمل الكلمة من دلالة ومعنى. تحدّث عن رفاقه الشهداء التسعة ومنهم ضرغام الأسود ( نبيل مسودة ) من الخليل وإسماعيل درويش ، وعلى رأسهم الثلاثة الكبارالذين اغتالهم الموساد في قبرص العام ١٩٨٦: مروان كيالي، وأبو حسن قاسم ومحمد باسم التميمي ( حمدي).
ولم تنل منه محاولة الاغتيال، ولم يفتّ السمّ في معنوياته وهمّته العالية وعناده النبوي. تلقّى العلاج بمتابعة من الشهيد أبو جهاد – رحمه الله – لسنوات، وكانت نفسه الأمّارة بالصمود والإصرار والمعاندة تُلحّ عليه أن عليك بالمثابرة، وتعود واقفًا على قدميك، وتعبر الحياة بكل تحدٍ ومثابرة لإكمال طريق فلسطين الطويل.
بصبره الذي فاق الاحتمال عاد أحمد جابر بكل عافية الفعل وعنفوان الإرادة، مُجالدًا ومصرًّا على الدرب، وهذه المرّة عبر السياق الإبداعي والترجمة ومنازلة الرواية النقيض الاحتلالية على كل الجبهات. وخلال تلقيه العلاج وهو مقعد على كرسي أكمل دراسته الجامعية تخصص الصحافة والإعلام ويحصل على تفوق في تخصصه
أكمل دراسته العليا وبات متمكنًا من الترجمة للرومانية، وأصبح من أهمّ الفواعل الثقافية والإعلامية في رومانيا وأوروبا تعريفًا بالثقافة الفلسطينية وتظهيرًا لها في كل فضاءٍ يصله، وأثبت حضورًا أكاديميًا وأدبيًا يُشار إليه بالبَنان في المشهد الثقافي والأكاديمي الروماني. وقد روى أنه باع سيارته من أجل ترجمة رواية جبرا إبراهيم جبرا (الغرف الأخرى) وطباعتها على نفقته، تعريفًا بأدب جبرا ونقلًا لرسالته عن أدب فلسطين المقاوم.
باع سيارته وهو الذي تقاعد مظلومًا (برتبة مقدَّم) دون التفاتةٍ من ذوي الشأن، وراتبه بالكاد يسدّ رمق عائلته، في الوقت الذي أصبح فيه من كان أحمد جابر مسؤولًا عنهم بدرجة لواء، وأُحيق الظلم بالشاهد الملك.
لم يقف أحمد جابر على باب أحد، وظلّ وفيًّا لسيرته النضالية؛ وما سيرته الثورية ونقاؤه الثوري والوطني إلا خير مثال للبذل والعطاء، كيف لا، وهو من الكتيبة الأكثر طهرانية ونُبلًا، ومن فرسان الكتيبة الطلابية الذين يُشهد لهم بالمصداقية والجرأة في الحق والدفاع عن فلسطين فكرةً نبيلة في زمن التطبيع الأسود والإبراهيمية الزاحفة.
بعد ترجمته رواية جبرا وما نالته من صدى وتفاعل في المشهد الثقافي الروماني، قالت له زوجته:
"الآن فهمت السبب وراء الترجمة، لو كان لدينا سيارة أخرى لبعناها من أجل فلسطين وثقافتها المقاومة. "أسوق الحكاية لتبيان مناقب وفضائل أحمد الفلسطيني الفدائي، الذي استعصم بمعنى فلسطين في مواجهة ما أسميه "بمعاداة الفلسطينية" وماكينة الزيوف والضلالات الاحتلالية التي تجتاح العالم زورًا وبهتانًا وتضليلًا.
ولنؤكد أن طينة الوعي التي جُبل عليها أحرار الثورة ما زالت تُعطي في أوقات اليَباس والمَحل وهالوك النضال والثقافة والمتسلّقين على دم فلسطين ونُبل نضالها منذ ما يزيد على قرنٍ من البطولات والتضحيات.
وهذا يجعلنا نرفع سؤالًا صارخًا في وجه الكثيرين ممن يتغافلون عن نضالات أنبل الرجال وأكثرهم نقاءً، وأحمد جابر واحد من هؤلاء النبلاء والفرسان الذين خُلقوا للعطاء، ما يستدعي إنصافهم بما يليق بدورهم ومكانتهم التي حصّنوها بالدم والنضال المكين، ولم ينتظروا راتبًا أو رتبة. ودورُنا وواجبُنا أن نبادلهم الوفاء بالوفاء، والعطاء بمثله.
أحمد جابر يُخجلنا بتواضعه، وفي كل مقابلاته عندما يُسأل عن نضاله ومسيرته الثورية يقول:
"أنا كبقية أبناء شعبي، ما زلت أناضل، وأنا خادمٌ لشعبي، ونضالُ أصغر طفلٍ في فلسطين علينا أن ننحني له تقديرًا واعتزازًا". يقول ذلك وهو صاحب الفعال البيضاء والتضحيات الجِسام، والذي نازل الموت بفلسفة الإرادة والثبات الحازم، وانتصر على الموت والتغييب، فطوبى له وطيب. إنه تواضع الفدائي الحقيقي الذي لا ينتظر شيئًا سوى إسناده في مشروعه الثقافي والإعلامي من أجل فلسطين – قضيةً عادلة وثقافةً لا تنكسر.
بعد سبعةٍ وأربعين عامًا يعود أحمد جابر إلى فلسطين، وما إن وصل أريحا حتى قبّل التراب وأسرع لمعانقة أول شرطيٍّ يصادفه. إنها المنافي الناهبة، والغربة القاتلة، والحنين الراسخ بشوق البلاد وترابها السماوي، إنها المعاناة التي تئنّ بحملها الجبال في منتهى الأرض، وحصار الإخوة والأعداء.
- متى ستغادر إلى رومانيا، سألته؟
- غدًا، قال.
قلت له: أجّل يومًا واحدًا فقط.
وقد علمت أنه مقيم في الفندق على نفقته هو والصديق جمال النجار، ولا يستطيعان البقاء مدة أطول، لكن أردت من تمديد اليوم أن يقوم أحمد – الفلسطيني حدّ الجرح – بإجراء بعض المقابلات.
فرتّبت له ظهورًا في تلفزيون فلسطين، ثم مقابلة في فضائية عودة، ومقابلة مطوّلة في إذاعة راية تعريفًا بتجربته وفرادتها، حتى تعلم الأجيال أن هناك من أناروا بدمهم ظلمة أيامنا وما بدّلوا تبديلاً.
كان أحمد في غاية الفرح بعد أن وجد كل هذا الاحتفاء بتجربته، وقلت له: "أنت صوتُنا في رومانيا وفي كل مكان بما أنتَ أهلٌ له من تجربةٍ تستحق التوثيق والتدوين، ومثلك أيها النبيل الشهم من يستوقفني شخصيًا للإضاءة على الخطى الواثقة الصادقة".
وتواعدنا على إكمال الدور واستعادة المبادرة في رومانيا التي ظلّت وفيّةً لفلسطين ونضالات شعبنا.
قبل يومين أرسل لي خبرًا مفرحًا، إذ تم تكريمه من قبل وزارة الثقافة الرومانية بمناسبة مرور مئة عام على وفاة مؤسس الرومانسية في الأدب الروماني، ووزير الثقافة ومدير المسرح الوطني الأسبق يون مينيلسوكو، حيث مُنح وسام الدرجة الأولى. إنه استحقاق جديرٌ به، فارسٌ أصيلٌ وحقيقي هو أحمد جابر.
ونقول له: تكريمُك من هذه الفلسطين هو الأوجب، وأنت الذي منحتها عمرًا نضاليًا، وبقيت على العهد والعُهدة. وسنبقى نتذكّر لك كل ما قدّمتَ من أجل بلادنا التي لن تخذل الصادقين والمناضلين، وأنت منهم، وسنظل نتعلّم منك معاني الصدق والوفاء، ولا نُشفى.





שתף את דעתך
أحمد جابر (ريمون) سلالة الباشق الفدائي وتكريمه وسام الدرجة الأولى من رومانيا