طبرحيل نائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، تطوى صفحة أحد أكثر السياسيين الأميركيين نفوذًا وإثارةً للجدل في العقود الأخيرة. فالرجل الذي وُصف بأنه "العقل المدبّر" لغزو العراق عام 2003 ترك وراءه إرثًا ثقيلاً في الشرق الأوسط، لم تتعافَ المنطقة بعد من تداعياته، فيما يراه كثيرون أحد أكثر الموروثات دمارًا في التاريخ الحديث للسياسة الأميركية.
منذ تسلّمه منصب نائب الرئيس في إدارة جورج بوش الابن عام 2001، سعى تشيني إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية عبر تبني عقيدة “الحرب الاستباقية” عقب هجمات 11 أيلول. اعتقد أنّ الولايات المتحدة تواجه تهديدات لا يمكن انتظارها حتى تقع، بل يجب ضربها أولاً. هذه القناعة كانت الأساس النظري لغزو العراق، بزعم امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل وارتباطه بتنظيم القاعدة، وهي مزاعم انهارت لاحقًا بعدما فشلت واشنطن في تقديم أي دليل يثبتها.
كان لتشيني نفوذٌ استثنائي داخل البيت الأبيض، حتى وُصف بأنه الرئيس الفعلي في القضايا الأمنية والعسكرية. قاد توجّهًا يرى أنّ "الحرب على الإرهاب" يجب أن تُدار بلا قيود قانونية أو أخلاقية، فبرّر برامج الاعتقال السرّي في الخارج، ومارس الضغط لتوسيع صلاحيات وكالة الاستخبارات المركزية في استخدام ما سُمّي بـ"أساليب الاستجواب المعزّزة"، والتي اعتبرتها منظمات حقوق الإنسان أشكالاً من التعذيب المنهجي. وقد شكّل هذا التوجه نقطة تحول في صورة الولايات المتحدة ومكانتها الأخلاقية على المسرح الدولي، لا سيما في العالمين العربي والإسلامي.
لكنّ الإرث الأثقل لتشيني يبقى في العراق. فقد بشّر بالحرب باعتبارها خطوة نحو شرق أوسط جديد أكثر ديمقراطية، غير أنّ النتائج جاءت كارثية على جميع المستويات. إذ أدّى الغزو والاحتلال إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين، وتشريد الملايين، وتدمير البنية التحتية العراقية، كما أطلق شرارة صراع طائفي دموي حوّل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي مفتوحة. ومع سقوط نظام صدام حسين، فُتح الباب أمام تمدّد النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، فيما استغلّ تنظيم "داعش" الفراغ الأمني والفوضى ليفرض سيطرته على مساحات واسعة بعد أقل من عقد من الغزو.
لقد أظهرت التجربة أن الحرب التي رُوّج لها باسم "التحرير" تحوّلت إلى أطول جرحٍ مفتوح في جسد الشرق الأوسط، وأنّ التكاليف الإنسانية والمادية والسياسية كانت أكبر من أي مكاسب مزعومة. كما كشفت عن عمق الخلل في فهم الإدارة الأميركية آنذاك لتعقيدات المنطقة، واستهانتها بتركيبتها الاجتماعية والسياسية. أما على الصعيد الدولي، فقد قادت سياسات تشيني إلى تآكل المصداقية الأميركية بعدما انكشف زيف مبررات الحرب، وأضرّت بصورة واشنطن كقوة تحترم القانون الدولي. تحوّل خطاب "نشر الديمقراطية" إلى عنوان ساخر في نظر شعوب المنطقة التي رأت في الغزو مشروع هيمنة لا تحرر.
يدافع أنصار تشيني عن قراراته بوصفها نابعة من "واقعية قاسية" اقتضاها الخطر الإرهابي بعد 11 أيلول، مؤكدين أنّ إسقاط نظام صدام أنهى دكتاتورية دموية. غير أنّ خصومه يرونه المسؤول الأول عن أكبر خطأ استراتيجي في التاريخ الأميركي الحديث، إذ أدخل بلاده والمنطقة في دوامة حروب وانقسامات مستمرة. وحتى في سنواته الأخيرة، رفض تشيني الاعتذار أو مراجعة مواقفه، مؤكداً أنّ "الندم لا يصنع الأمن"، وهو ما عمّق صورته كشخصية لا تعترف بالأخطاء رغم نتائجها المأساوية.
اليوم، ومع وفاته، يُعاد فتح ملف إرثه على نحو مؤلم. فالرجل الذي حلم بتشكيل شرق أوسط يخدم المصالح الأميركية انتهى به الأمر إلى أن يترك شرقًا أوسطًا أكثر ضعفًا وانقسامًا وعداءً لواشنطن. وبين من يرى فيه رجل دولة حازمًا ومن يصفه بمهندس الخراب، يبقى المؤكد أنّ سياسات ديك تشيني غيّرت وجه المنطقة إلى الأبد، وجعلت من العراق نموذجًا تحذيريًا لما يمكن أن تفعله الأوهام الإمبراطورية حين تتغلب على الحكمة والواقعية السياسية.





שתף את דעתך
ديك تشيني يرحل تاركًا إرثًا مدمّرًا في الشرق الأوسط