في صباح الثلاثاء 17 حزيران/يونيو 1930، عاش الشعب الفلسطيني يوماً من أكثر أيامه حزناً وخلوداً في ذاكرته الوطنية، حين نفّذت سلطات الانتداب البريطاني حكم الإعدام بحقّ فؤاد حجازي، عطا الزير، ومحمد جمجوم في سجن عكّا. لم تكن تلك الإعدامات المتتالية مجرد تنفيذ لعقوبة، بل كانت اغتيالاً ممنهجاً لأصواتٍ نادت بالحرية والكرامة، في مشهدٍ تحوّل لاحقاً إلى ما عُرف بـ"الثلاثاء الحمراء"، لحظة تأسيسية في الوعي الوطني الفلسطيني، ورمزاً للمقاومة التي لا تموت.
واجه الشهداء الثلاثة الموت بابتسامةٍ وإيمانٍ بعدالة قضيتهم، مردّدين أن "الحرية تستحق أن نموت من أجلها". وقد حُفر هذا اليوم في الذاكرة الفلسطينية الحية، إذ خرج الأهالي يتظاهَرون مرتدين الشارات السوداء حداداً على شهدائهم الثلاثة. كتب الشهداء في رسالتهم الأخيرة: «نحن الذين قدمنا أنفسنا ودماءنا طواعية… ونرجو أن يُكتب على قبورنا: “إلى الاستقلال أو إلى الموت… نحيا بسم العرب ونموت بسم العرب.”» رسالة تختصر الطرح الوطني التحرّري الذي ميّزهم: الموت كان خياراً في سبيل الحرية، لا عقوبة في سبيل الجريمة.
إن استحضار هذا الحدث يُذكّر بأن النضال الفلسطيني ليس ذنباً يُعاقب عليه، بل حقّاً وطنياً يُحتفى به، وأن الإعدام في تلك المرحلة كان أداة استعمار تُمارس ضدّ من اختاروا المقاومة. واليوم، حين يُطرح قانونٌ يُجيز «الإعدام» مرة أخرى، لكن هذه المرة من جانب سلطة احتلال، يكون الاستحضار التاريخي ذا وقع مضاعف: إذ يُزفّ الحدث من ذاكرة الشهادة إلى حُجّة قانونية للاستباحة.
في 26 فبراير 2023، أقرّت اللجنة الوزارية للتشريع داخل إسرائيل مسودة مشروع قانون يُعرَف بـ«تعديل قانون العقوبات – الإعدام للإرهابيين – 2023». ثم تلا ذلك، في 1 مارس، القراءة التمهيدية داخل الكنيست، وأُحيل إلى لجنة الأمن القومي في 13 مارس. هذا المشروع يدعمه بشكل أساسي تحالف من الأحزاب اليمينية المتطرفة، أبرزها حزب "القوة اليهودية" بزعامة المدعو إيتمار بن غفير، و"الليكود" بزعامة نتنياهو.
الدوافع واضحة، تنفيذ ردع صارم ومعلن ضد الفلسطينيين الذين تُصنّفهم إسرائيل «منفّذي عمليات إرهابية»، وإظهار أن القانون الإسرائيلي سيُمسك بزمام العقاب، لا السلطة العسكرية وحدها. كما يسعى المشروع إلى ترسيخ رسالة مفادها أن من يقتل إسرائيلياً لا يُعاقب بالسجن فقط، بل بالإعدام، مع توسيع نطاق القضاء العسكري والمدني، وتخفيض معيار الموافقة على الإعدام من إجماع إلى أغلبية بسيطة، ما يسهّل تنفيذ العقوبة.
إن مشروع قانون «الإعدام للإرهابيين» ليس قانوناً عابراً، بل خطاب تشريعي وتحريض قانوني يُمهّد لتقنين القتل الانتقائي بحقّ الفلسطينيين. إنه يقضي ليس فقط على حياة الأسرى، بل على فكرة العدالة، والمقاومة، وحقوق الإنسان. إنه تغيّر جذري في السياسة العقابية تجاه الفلسطينيين داخل المعتقلات، حيث يواجه الأسرى اليوم الاعتقال الإداري، والتعذيب، والإهمال الطبي، ليُضاف إلى ذلك «إعدام معلن وقانوني».
هذا التصعيد القانوني والسياسي يقود إلى أن المعتقل الفلسطيني لم يعد مجرد سجين، بل هدف معلن للقانون. وعندما تمرّر سلطات الاحتلال تشريعاً كهذا، فإنها لا تكتفي بممارسة العنف، بل تمنحه الصبغة الرسمية، ما يُعدّ انتهاكاً مزدوجاً للحق في الحياة، وللقواعد الدولية التي تحكم الاحتلال والمعتقلات.
على أرض الواقع، الإعدام يُمارس فعلياً داخل السجون، وإن لم يكن قانونياً بعد. فمنذ بداية عام 2023، استُشهد أكثر من 81 أسيراً فلسطينياً نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية. والخشية أن يُضفي هذا القانون غطاءً شرعياً على هذه الانتهاكات، ويحوّل إدارة السجون إلى أدوات تنفيذ لأحكام إعدام انتقائية.
وفي هذا السياق، تؤكد دراسة صادرة عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان وجمعية القانون لأجل فلسطين أن إسرائيل لم تعد تملك أي مسوّغ قانوني يبرر امتناعها عن تطبيق اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة على الأسرى الفلسطينيين، خاصة بعد انضمام دولة فلسطين رسمياً إلى هذه الاتفاقيات. فادعاء إسرائيل بأن الأسرى "لا ينتمون لطرف في النزاع" فقدَ وجاهته القانونية، وأصبح احتجازهم ومعاملتهم خارج إطار القانون الدولي الإنساني يشكّل انتهاكاً ممنهجاً.
كما أن التعامل الإسرائيلي مع جميع المقاومين باعتبارهم "مجرمين" أو "إرهابيين" أو "مقاتلين غير شرعيين" يخالف القواعد المستقرة في القانون الدولي، وقد يفتح الباب أمام مساءلة جنائية دولية، خاصة أن المحكمة الجنائية الدولية أقرت بولايتها القضائية على الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية. وتلفت الدراسة إلى أن احتجاز الساسة وصنّاع الرأي الفلسطينيين ينتهك الحقوق الأساسية المكفولة في المعاهدات الدولية، ويجعل من إسرائيل سلطة محتجِزة ملزمة قانوناً بمعاملة الأسرى وفقاً للمعايير الدولية، بما في ذلك الإفراج عن أسرى الحرب فور انتهاء الأعمال العدائية، ومحاكمة المدنيين أمام محاكم محلية في الأراضي المحتلة لا في سجون الاحتلال.
لقد استخدمت سلطات الانتداب البريطاني الإعدام أداةً لقمع الفلسطينيين، كما حدث بعد أحداث 1929، التي أعقبها إعدام الشبان الثلاثة في عكّا. ومع قيام إسرائيل عام 1948، ورثت هذه المنظومة التشريعية، لكنها نادراً ما نفّذت العقوبة، باستثناء حالة واحدة عام 1962 بحق أدولف آيخمان. إلا أن تصاعد التيارات اليمينية المتطرفة في السنوات الأخيرة دفع باتجاه تشريع قانون جديد يعيد إنتاج أدوات القتل ذاتها، ولكن بلغة قانونية حديثة.
في المقابل، اتخذت دولة فلسطين موقفاً أخلاقياً وقانونياً متقدّماً، حين انضمت في 18 آذار/مارس 2019 إلى البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام. هذا الانضمام يعكس التزاماً إنسانياً بالحق في الحياة، في وقتٍ تُصرّ فيه إسرائيل على تحويل القتل إلى أداة حكم.
وإذا كان الإعدام في الماضي يتم عبر المشانق، فإن صوره اليوم تتخذ أشكالاً أخرى داخل السجون. من عمر القاسم الذي استشهد أثناء التعذيب إلى ناصر أبو حميد الذي قضى نتيجة الإهمال الطبي، إلى خضر عدنان الذي استُشهد بعد إضرابه الطويل، وميسرة أبو حمدية الذي تُوفي إثر تدهور حالته الصحية، وصولاً إلى آخر شهداء الحركة الاسيرة الشهيد محمد غوادرة، جميعهم يختصرون معاني الإعدام البطيء داخل المعتقلات.
وتشهد هذه المرحلة من تاريخ الحركة الأسيرة المرحلة الأكثر دموية منذ عام 1967، إذ بلغ عدد الشهداء الذين عُرفت هوياتهم منذ عام 1967 حتى اليوم (318) شهيدًا، وفقًا للبيانات الموثقة لدى مؤسسات الأسرى. كما ارتفع عدد الأسرى الذين يحتجز الاحتلال جثامينهم قبل الحرب وبعدها إلى (89) جثمانًا، منهم (78) بعد الحرب.
إن "قانون الإعدام للإرهابيين" ليس تشريعاً عادياً، بل مشروع سياسي لشرعنة قتل الفلسطينيين تحت غطاءٍ قانونيٍّ زائف. إنه امتدادٌ للسياسة الاستعمارية التي بدأت من أعواد المشانق في عكّا، ولا تزال تُمارس داخل السجون والمعتقلات. ومن هنا، فإن الرد لا يكون فقط برفض القانون، بل بتحرّك وطني ودولي شامل.
إن حياة الأسرى الفلسطينيين ليست هامشاً في معادلة الصراع، بل جوهره الإنساني والأخلاقي ، فكما قاوم الشعب الفلسطيني مشانق عكّا بالأغاني والنضال والكرامة، سيقاوم اليوم محاكم الإعدام الإسرائيلية بالإرادة ذاتها.





שתף את דעתך
من "الثلاثاء الحمراء" إلى قانون إعدام الأسرى: مسار وطني وحقوقي