أعتقد أننا نتعرض لاوسع هجوم منظم لتفكيك ما تبقى من نسيج وعقد اجتماعي، الشائعات تنخرنا من كل حدب وصوب، الاستسهال بالهجوم على الأشخاص وعائلاتهم بات هدفاً سهل المراس. من لديه قصة مع هذا الشخص أو ذاك المسؤول أو ذاك التاجر أو الموظف، يجد في وسائل التواصل منفساً لتشويه سمعة ليس خصمه فقط بل يمتد إلى عائلته بل ومكونه الوطني والاجتماعي، الأدهى من كل ذلك والأمَرّ أن يتم ربط كل ذلك بالاحتلال والتعاون معه، وكأن الاتهام بالعمالة أمر أقل من أمر عادي.
ما زاد الطينة بله أن هناك منصات رقمية متخصصة بضرب النسيج الاجتماعي تحت شعار محاربة الفساد وفضحه في مؤسسات السلطة الوطنية أو لدى الأحزاب والفصائل، أو لعدد من المسؤولين أو أصحاب القرار السياسي أو رجال أعمال أو أكاديميين أو غيرهم.
كثيرٌ من الأخبار التي يتم نشرها مفبركة، وتهدف إلى أن يلعن المرء منا اليوم الذي ولد به على هذه الأرض، يترك ما يقوم به الاحتلال ومستوطنوه في الضفة وما تم ارتكابه في غزة من أفعال، لا بل لا تحوز على أي اهتمام أو تفاعل، بينما خبرٌ، إن صح أو كان كاذباً، تراه ينتشر كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي.
لذا، علينا أن نتجند للوقوف أمام هذه الأعاصير التي تجتاحنا من كل حدب وصوب، وتنتشر بيسر وسهولة، كأن البعض يريد أن يوصم جزءاً من شعبنا بالعمالة والخسة والفساد، وكأن حياتنا كلها غارقة بظلام دامس.
نحن نعلم وأغلبنا يعلم أن عدد من يمكن أن يكون فاسداً عدد قليل، ونعلم أننا لا نجرؤ أحياناً على أن نتحرك بالسبل القانونية ليس لأن المجتمع جبان، أو أنّ شعبنا يخاف، بل لأن إثبات أيّ جريمة فساد يحتاج إلى جهود مضنية، نتداول فيما بيننا الكثير من القصص، ولكن القليل من يملك معلومات دامغة لا غبار عليها.
انطلق قطار ملاحقة عدد من المشتبه بهم بالفساد، وبالفعل تم توقيف عدد منهم، ومنهم من اعترف، ومنهم لم يعترف، منهم من هو فار، ومنهم ما زال على رأس عمله.
إلا أن كل ذلك لا يعني وليس بالضرورة يعطينا الحق بتجريم الناس حتى من اعترف بارتكاب جريمة الفساد.
دائماً نتساءل: ماذا لو كان هذا الشخص واحداً من أفراد عائلتك، كيف كنت ستتصرف؟ كيف لك أن تقبل أن تنشر أمراً قد تكون النتيجة النهائية له مخالفة لما نشرت أو كتبت أو قمت بمشاركته!
ضع نفسك مكان المتهمين أو من تم القبض عليهم، هل ستكون مستعداً، أو أن تقبل أن يعاملك الناس كما تعامل المعلومات التي تتعامل معها وكأنها مسلمة لا كاشف لها.
نحن في زمن انعدام الثقة، وفي الدرك الأسفل من الانحدار وقلة الحيلة، بل إن هناك منصات ومواقع ليس لها هَمّ إلا تحطيم المحطم، وتهشيم ما تبقى من رابط اجتماعي، ولكن علينا أن نبقى أوفياء لأنفسنا وسمعتنا الوطنية الفردية، رغم إدراكنا أننا نعيش في ظروف صحبة، ولدينا من الهموم ما يكفي شعبنا، ومع ذلك علينا أن نكون مؤمنين بأن الزمن سيتغير، وأن الثقة ستعود، وأن العدالة ستأخذ مجراها قريباً بإذن الله، لذا فإننا نقترح الآتي للتخفيف من وتيرة ما نعاني منه من شائعات مدمرة:
1. تخصيص يوم في الشهر يتم فيه الحديث عن الشائعات وأثرها على تماسك المجتمع، من خلال وسائل الإعلام المحلية والمنصات الرقمية وعبر المؤثرين بوسائل التواصل الاجتماعي.
2. أن تقوم النيابة العامة أو جهات إنفاذ القانون بإصدار بيانات واضحة ومحددة حول وقائع محل متابعة وتحقيق، بحيث تحذر كل من يقوم بنشر الشائعات، وأهمية ملاحقته.
3. أن نقوم بالتفكير بالمعلومات التي تصلنا، وأن لا نأخذها على محمل التسليم، بحيث نستعمل عقولنا قبل أن نستعمل أيادينا في مشاركة وتوزيع مثل هكذا شائعات، ولنطلق حملة وطنية حول الموضوع، حتى نعطي أمثلة حقيقية وتطبيقية.
4. علينا أن نفتح منصات للحوار حول سوء الإدارة وكيفية التعامل مع المساءلة بروح من المكاشفة منعاً لنشر الشائعات حول أيّ موضوع قد يمثل مصدراً لأي معلومات غير دقيقة.
ما تنقله به من أخبار بقصد الانتقام من الغير سيعود إليك، ولكن بطريقة قد تكون أسوأ مما تتوقع، لذا دعونا نتحرر من التناقل قبل التفاكر، ولنوقف نزيف الشائعات، أو على أقل تقدير لنحاصر ناشريه.





שתף את דעתך
وقف الشائعات ضرورة وطنية