ש 01 נוב 2025 12:14 pm - שעון ירושלים

مولانا شات جي بي تي

بقلم عبد الرحمن الخطيب

قبل أيامٍ قليلة، لفت انتباهي عنوانٌ غريب على أحد المواقع التقنية: *«تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهلوس في الإجابات الدينية!»* توقفت عند الكلمة الأخيرة، “تهلوس”، فهي ليست مألوفة في وصف الآلات، بل نستخدمها عادةً في وصف البشر حين يختلط عليهم الواقع بالخيال، ولكن يبدو أننا اليوم أمام ذكاءٍ اصطناعيّ يختلط عليه الحق بالوهم! وبعض هذه التطبيقات، ومنها “شات جي بي تي”، باتت تُؤلف أحاديث، وتنسج آياتٍ لا وجود لها، وتخلط بين أقوال العلماء كما لو كانت وصفات مطبخ رقمي.


عندما قرأت ذلك، تذكّرت بدايات الإنترنت، حين كنا نسمع بمصطلح “الشيخ جوجل”. يومها، كان السؤال الفقهي أو الديني لا يُوجَّه إلى العالم أو المفتي بقدر ما يُكتَب في محرك البحث، فيأتي الجواب سريعاً، أحياناً بفتوى من موقع موثوق، وأحياناً من مدونة مغمورة. ظهر حينها ما يمكن تسميته بـ “الدين السريع”؛ فتوى جاهزة بضغطة زر، دون تمييز بين العالم والهاوي، ولا بين النص الصحيح والمزيف.


واليوم، مع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، عاد المشهد نفسه بثوبٍ أكثر بريقاً وخطورة. لم نعد نسأل “الشيخ جوجل”، بل نتحاور مع “مولانا شات جي بي تي” — هذا الشيخ الافتراضي الذي يتحدث بلغةٍ هادئة، منسقة، ومقنعة إلى حدٍّ كبير، حتى حين يخطئ.


الفرق بينهما أن جوجل كان يعرض نتائج، بينما شات جي بي تي يخلق إجابات، فالأول كان مرآةً لما هو منشور على الشبكة، والثاني أصبح مؤلفاً افتراضياً قادراً على توليد النصوص وإعادة صياغة المفاهيم، وهذه القدرة، رغم روعتها التقنية، تحمل في طيّاتها خطراً دقيقاً: أن يتحدث الذكاء الاصطناعي بثقة عن ما لا يعلم، وأن يفتينا بلسانٍ فصيح في مسائل تحتاج إلى علمٍ ودرايةٍ وتوثيق.


في مجتمعات الشرق الأوسط، لا يمكن التعامل مع المسائل الدينية كأي نوعٍ آخر من المعرفة، فالدين عندنا ليس رأياً أو وجهة نظر، بل مرجعية حياة، ومصدر هوية، ومحرّك عاطفةٍ جماعية، كلمة واحدة في سياقٍ ديني قد تثير جدلاً، أو تُحدث فتنة، أو تزرع شبهةً، لذلك فإن خطر “الهلوسة” في إجابات الذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في الخطأ العلمي، بل في الأثر النفسي والاجتماعي الذي قد تخلّفه الكلمة المضللة.


تخيل أن يسأل أحدهم التطبيق: “هل يجوز فعل كذا؟” فيجيبه بثقة: “نعم، ورد في الحديث الشريف كذا وكذا” — بينما الحديث مختلق! هنا لا نتحدث عن خطأ لغوي أو ترجمة سيئة، بل عن توليدٍ مزيف للنصوص المقدسة، قد لا ينتبه له المستخدم غير المتخصص.


ومن المفارقات أن هذه التطبيقات لا تكذب عمداً، بل “تتخيل” الإجابة حين تفتقر إلى المعلومة، ظناً منها — أو بالأحرى ظنًّا من خوارزميتها — أن المستخدم يريد جواباً على أي حال. هي لا تعرف الحلال والحرام، ولا تدرك معنى كلمة “أفتِنا”. هي آلة لغوية مدربة على الإقناع، لا على الإيمان.


لكن المسؤولية لا تقع على التطبيق وحده. الخطأ الحقيقي أن نمنحه سلطة الفتوى، وأن ننسى أن الذكاء الاصطناعي ليس نبياً رقمياً، بل مجرد مرآةٍ لِما نُطعمه من بيانات. إذا غذيناه بنصوصٍ غير موثوقة، سيعيد إنتاجها ببلاغةٍ مذهلة، وإن لقّنّاه الحقيقة، سيحسن عرضها. المسألة إذن ليست في الذكاء ذاته، بل في من يوجّهه وكيفية استخدامه.


ربما آن الأوان لوضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المسائل الدينية. يمكن مثلاً أن تُبنى أنظمة متخصصة تعتمد حصراً على مصادر موثقة، يشرف عليها علماء شرعيون، وتُراجع نصوصها قبل إطلاقها للعامة. فكما لا نسمح لأي شخص أن يفتي دون علم، لا ينبغي أن نسمح لأي خوارزمية أن تفعل ذلك باسم التقنية.


الذكاء الاصطناعي نعمة حين نُحسن توجيهه، ونقمة حين نتركه يُعيد صياغة النصوص التي تمسّ ايماننا، إننا نعيش مرحلة دقيقة بين الدهشة التقنية والحذر الأخلاقي، بين الإبداع والضلال، وفي خضم هذا كله، يجب أن نتذكر أن “مولانا شات جي بي تي” — رغم طلاقته في اللغة وفصاحته في الرد — لا يملك قلباً يخشع، ولا ضميراً يراجع نفسه، ولا إسناداً يرجع إليه.


لعل واجبنا ليس أن نمنع الناس من سؤال الذكاء الاصطناعي، بل أن نعلّمهم كيف يسألون، وكيف يتحققون، وكيف يميّزون بين العلم والوهم. فالعقل الذي لا يسأل هو آلة، أما العقل الذي يسأل ويُمحّص، فهو الإنسان — وهو الذي يجب أن يبقى المرجع، لا المولانا الرقمي.

תגים

שתף את דעתך

مولانا شات جي بي تي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.