في قلب السجن، تولد الكتابة كصرخة وجود. هناك، بين الجدران الباردة و الزمن المتجمد، حيث يضيق المكان وتختنق المسافة، كتب الأسير الفلسطيني باسم خندقجي روايته "قناع بلون السماء". رواية تنفذ من عتمة الأسر إلى فضاء الحرية، وتُعيد تعريف معنى الهوية والمقاومة. هذه الرواية التي حازت على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2024، لم تكن مجرد إنجاز أدبي، بل شهادة على قدرة الإنسان على الإبداع حتى في أقسى ظروف القهر وتمثل محطة لافتة في مسار أدب السجون الفلسطيني، إذ تمزج بين السرد الروائي والفكر الفلسفي، وبين التجربة الإنسانية العميقة في الأسر، والبعد الرمزي الذي يتجاوز حدود الزنزانة إلى رحاب الحرية.
تدور الرواية حول شخصية نور مهدي، باحث في علم الآثار يعيش في أحد المخيمات الفلسطينية. يعثر بالصدفة على هوية زرقاء لإسرائيلي اسمه أور، و "أور" بالعبرية تعني "نور"، فيغدو أمام إنعكاسه المقلوب في مرآة الآخر. من هنا تنطلق الرواية في رحلة رمزية معقدة، حيث يرتدي نور "قناع الآخر" ويخوض تجربة العيش في هوية ليست له، فينضم إلى بعثة تنقيب إسرائيلية تعمل في قرية فلسطينية مهجرة منذ نكبة 1948. وهناك تبدأ رحلته في تفكيك مفاهيم الإنتماء والذاكرة والوجود.
القناع في الرواية ليس مجرد رمز للتخفي، بل استعارة عن الذاكرة المزورة، عن الوجه الذي يخفيه الاحتلال وراء خطاب التاريخ والحضارة. هو رمز لجدلية الفلسطيني والمحتل، للحقيقة والزيف، وللأسئلة الوجودية حول من يملك الأرض والتاريخ والذاكرة. فتتحول الرواية إلى فضاء فلسفي، حين يسأل البطل ذاته والعالم من حوله: هل أكون أكثر حرية حين أرتدي وجه الآخر، أم حين أواجهه بوجهي العاري؟
هذه الجدلية بين الهوية والمحو، بين الذاكرة والتزييف، تشكل البنية الفكرية للرواية، وتجعلها نصاً فلسفياً يتجاوز الحكاية ليغوص في عمق الأسئلة الوجودية والسياسية والتاريخية التي تواجه الفلسطيني منذ النكبة حتى اليوم.
كتب باسم خندقجي روايته «قناع بلون السماء» من داخل سجنه الإسرائيلي، حيث قضى أكثر من عشرين عاماً في الأسر قبل أن يُفرج عنه في أكتوبر 2025. ومن بين الجدران الحديدية، خلق عالماً مفتوحاً على الضوء، وفضاءً رمزياً للحياة، فكانت الرواية بحد ذاتها فعل تحرر. فالكاتب لا يسرد فقط حكاية بطل يبحث عن ذاته، بل يكتب ذاته هو، الأسير الذي بدّد العتمة بالحبر، وحول الكتابة في يديه إلى مقاومة، واللغة إلى سلاح، والخيال إلى وطن يسكنه الأمل.
باسم قدم لنا رواية، تداخلت فيه جماليات السرد وبنية المعنى. رواية ثرية، حافلة بالإشارات الأثرية والتاريخية، وبالرموز التي تربط الماضي بالحاضر، والحكاية بالأسطورة، مما منحها عمق يميزها، ليبني لنا الكاتب سرداً فلسفياً عن الذاكرة والحق والهوية. فالحفر في الأرض يصبح استعارة للحفر في الذاكرة، والبحث الأثري يتحول إلى بحث عن الهوية الفلسطينية المدفونة تحت ركام النكبة. فيجد القارئ نفسه أمام نص يتطلب التأمل والمشاركة الفكرية، لا التلقي فقط. فالرواية تُخاطب الوعي بقدر ما تلامس العاطفة، وتطرح سؤالاً فلسفياً: هل يمكن للإنسان أن يعيد كتابة تاريخه حين يُحرم من الحرية؟
أما عنوان الرواية ذاتها "قناع بلون السماء" يحمل دلالات غنية. فالسماء، رمز الانفتاح والحرية والمطلق، تتخذ لوناً يتماهى مع القناع، كأن الكاتب يقول ان الحرية ليست نقيض القناع، بل ربما تكمن في القدرة على اختيار لون القناع الذي نرتديه. إنه إعلان أن الروح، مهما أحاطها القيد، تستطيع أن تطير بإمتداد الأفق، بصفاء الحلم، وبزرقة السماء.
"قناع بلون السماء" ليست فقط رواية عن الفلسطيني الذي يتقمص هوية المحتل، بل عن الإنسان الذي يرفض أن يُمحى. تتحول فيها الكتابة إلى عالم موازي، يعيشه الكاتب حين يُسلب منه العالم الخارجي. لقد كتب باسم خندقجي من داخل السجن رواية تفتح أبواب العالم، فصارت نصاً عن الحرية، عن الذاكرة، عن الإنسان الذي لا يتوقف عن الحلم، حتى لو كان الحلم بين قضبان السجن.





שתף את דעתך
قناع بلون السماء .. قراءة تأملية في رواية باسم خندقجي