ה 30 אוק 2025 8:52 am - שעון ירושלים

تفكيك التعليم الوطني في القدس: تدمير العمل الطلابي والنقابي والأهلي في المدارس

مازن الجعبري

يُعدُّ التعليم في القدس ساحةً رئيسية للمواجهة، حيث تستهدف سياسات الاحتلال مناعته المجتمعية عبر تفكيك بنيته المدنية. ففي خطوة متعمدة، جرى تفكيك أهم ركائز هذه البنية، وهي: مجالس الطلبة، ومجالس أولياء الأمور، والنقابات المهنية. لم تكن هذه الإجراءات عفوية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إفراغ التعليم من مضمونه الوطني، وشلِّ قدرة المجتمع المقدسي على التنظيم والمواجهة، تمهيداً لفرض المناهج والرواية الإسرائيلية.

نظام متكامل للصمود التعليمي

لقد شكلت هذه الأجسام الثلاثة نظامًا متكاملاً للصمود التعليمي، حيث اضطلعت كل منها بدور حيوي متكامل. فالمجالس الطلابية مثلت الحاضنة الطلابية التي استقطبت طاقات الشباب، وصقلت مواهبهم القيادية، وعمقت انتماءهم الوطني، وربطتهم بقضايا مجتمعهم. فيما مثلت مجالس أولياء الأمور صوت الأسرة المقدسية ورقابتها، وحافظت على التواصل بين البيت والمدرسة، وواجهت السياسات التعليمية غير الوطنية. أما النقابات المهنية فقد كانت المظلة الدفاعية عن حقوق العاملين في القطاع التربوي، والإطار التنسيقي الذي وحد المواقف تجاه محاولات فرض المنهاج الإسرائيلي.

استهداف منهجي للمؤسسات التعليمية

غير أن هذا النظام الثلاثي المتكامل تعرض لاستهداف منهجي، حيث تم تفريغ هذه الأجسام من مضامينها عبر آليات متعددة، شملت منع عقد الاجتماعات، وسحب الاعتراف القانوني بها، وممارسة التضييق الأمني على نشطائها، وفرض قيود مشددة على أنشطتها داخل المدارس. وهكذا تحولت هذه المؤسسات من أدوات فاعلة في بناء الشخصية الوطنية والمناعة المجتمعية إلى هياكل شكلية مبتورة الصلاحيات، مغيبة عن دورها الحقيقي.

العوامل الفلسطينية المساهمة في الأزمة

لم يكن استهداف البنية التعليمية في القدس حصيلة السياسات الإسرائيلية وحدها، بل أسهمت في تعميق أزمته عوامل فلسطينية داخلية متشابكة. فاتفاق أوسلو، الذي أخرج القدس فعليًا من نطاق السيطرة الإدارية للسلطة الفلسطينية، خلق فراغًا مؤسساتيًا استغلته إسرائيل ببراعة لتعزيز وجودها المباشر في المشهد التربوي. وبموازاة ذلك، أدى انتقال مركز الثقل إلى السلطة الفلسطينية إلى تحوُّل جوهري في طبيعة العمل النقابي والأهلي، حيث فقد حركته الشعبية وروحه التطوعية ليصبح أكثر بيروقراطية وارتهانًا للتمويل الرسمي والاعتبارات السياسية، مما أفقده مرونته التقليدية وقدرته على التصدي.

تراجع الأدوار المؤسسية

كما أن أكبر فصيل كان يقود العمل الشعبي أصبح جزءًا من السلطة، وبدلًا من تنظيم العمل الأهلي والنقابي، سعى إلى الهيمنة عليه، مما أدى إلى تسييس المجالس وربطها بالولاءات الفئوية والحزبية. الأحزاب الفلسطينية بدورها تراجعت عن الشارع المقدسي، وغابت عن المدارس، ولم تعد تملك برامج تربوية أو وطنية فاعلة. المدارس نفسها لعبت دورًا سلبيًا، إذ لم تعمل على تشكيل مجالس طلبة منتخبة، وأضعفت مجالس أولياء الأمور، وجعلتها جزءًا من الإدارة المدرسية، مما أفقدها استقلاليتها وقدرتها على الرقابة والمساءلة. الفئوية والفصائلية داخل المدارس دمرت العمل الأهلي، وحولته إلى صراع نفوذ بدلًا من كونه مساحة وطنية جامعة. أما نقابة العاملين، فقد أصبحت ممثلة للسلطة، ولم تعد تقوم بأي عمل نقابي فعلي، وقاعدتها التنظيمية في القدس شبه معدومة.

تداعيات عميقة على البنية المجتمعية

ترتب على تفاعل هذه العوامل مجتمعة تداعيات عميقة على البنية المجتمعية في القدس، تمثلت في إضعاف آليات المقاومة التعليمية، حيث أضحت عملية فرض المنهاج الإسرائيلي أكثر يسرًا في ظل غياب الهياكل المؤسسية القادرة على التصدي. كما ساهم هذا الواقع في تآكل النسيج المدني، حيث تراجعت بشكل ملحوظ المبادرات الطلابية والأنشطة التربوية المعززة للهوية الوطنية، فيما انحسرت دوافع المشاركة المجتمعية بين الطلبة والمعلمين على حد سواء.

انهيار المناعة المجتمعية

يُشَكِّلُ انهيار المناعة المجتمعية أخطر الحلقات في سلسلة التداعيات، فهي التي كانت تمثل خط الدفاع الحيوي ضد مشاريع الأسرلة والتذويب. ولا يقتصر أثر هذا الانهيار على تآكل الهوية الوطنية فحسب، بل يمتد ليقوض مقومات الصمود الثقافي، ويُفقد المجتمع أدواته في الحفاظ على ذاته الفلسطينية أمام الهجمة الشاملة الهادفة إلى تمزيق نسيجه وإعادة صياغته وفق رؤية الاحتلال.

ظاهرتان تعكسان عمق الأزمة

تُسَجَّلُ في المشهد التعليمي المقدسي ظاهرتان متلازمتان تعكسان عمق الأزمة. فأما الأولى فهي العزوف الجماعي للطلبة والعاملين في القطاع التعليمي عن الانخراط في العمل النقابي والسياسي، نتيجة لفقدان الثقة بالقيادات والفصائل التي باتت تُنظر إليها كأطراف منغلقة على صراعاتها النفوذية، مما ولَّد شعوراً عاماً باللامبالاة والانكفاء. وأما الثانية فهي الاندماج المتصاعد لمجموعة من المدارس الأهلية في المنظومة التعليمية الإسرائيلية، من خلال قبول التمويل والإشراف الجزئي من بلدية الاحتلال ووزارة معارفه، وهو ما أدى إلى تبنيها تدريجياً لمرجعية النظام التعليمي الإسرائيلي وتخليها الطوعي عن أي أجندة وطنية في أنشطتها.

الحل: عودة إلى القاعدة الشعبية

في مواجهة هذا المشهد، تبرز الحاجة الملحة لتحوُّلٍ جذري يستعيد دور المدرسة كحصنٍ للتربية والصمود، وذلك من خلال تمكين مجالس الطلبة المنتخبة، ودعم لجان أولياء الأمور الفاعلة، وضمان أطر نقابية مهنية مستقلة للمعلمين. إن إنقاذ التعليم في القدس من مشاريع الأسرلة والتذويب يتطلب عودة جميع الفعاليات الوطنية والمهنية إلى القاعدة الشعبية، والانخراط في عمل تراكمي يعيد بناء المناعة المجتمعية، ويحفظ الهوية الوطنية الفلسطينية من التآكل. فالمعركة لا تحتمل التأجيل، والحل يبدأ من مقاعد الدراسة حيث تُصنع هوية الأجيال وتُحمى روح الصمود.


תגים

שתף את דעתך

تفكيك التعليم الوطني في القدس: تدمير العمل الطلابي والنقابي والأهلي في المدارس

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.