منذ إعلان وقف إطلاق النار صار الوهن الدولي حليفا لسياسة الإبادة البطيئة التي يمارسها جيش الاحتلال في غزة، لا يتوقف الأمر عند قذيفة أو غارة معزولة، بل يمتد إلى منظومة إدارية متعمدة لقطع إمدادات الحياة؛ احتجاز شحنات المساعدات الطبية والغذائية، إغلاق المعابر، منع عودة العائلات الى مساكنها، وعرقلة خروج المرضى للعلاج، ليست هذه أعطال إدارية، او إعاقات لوجستية عابرة، بل إدارة عقابية للحياة اليومية، واستراتيجية تهدف الى إضعاف القدرة على الصمود، بل وتحويل الهدوء الى ستار لتآكله بشكل بطيء ومقصود.
تحالف تسع وخمسين دولة، كما وصفه صانعوه، تحول الى عنوان زائف لإدارة أزمة بلا مخالب، العلة ليست في عدد البيانات، بل في غياب أدوات التنفيذ، مؤشرات القياس، وعتبة العقاب، فحين يغيب الثمن يتحول القانون الدولي الى غلاف ورقي، ويصبح الصمت الدولي تواطؤا يغذي خطاب الامر الواقع؛ هدنة على الورق، وحصار فعلي على الارض، وبهذا الشكل تمنح المنظومة الدولية شرعية لأدوات إبادة ناعمة تمتد من تجويع تدريجي، الى نزوح طويل، وتغيير الواقع الديموغرافي بقرارات إدارية بديلة عن اللجوء الى حرب معلنة.
الآليات على أرض الواقع تكشف عن هندسة ممنهجة؛ التحكم بعنق الزجاجة عند المعابر، قوائم سلع مقيدة، يصبح الكثير منها رهينة اعتبارات ادارية ومزاجية بحسب تقارير المنظمات الأممية، مناطق عازلة تتوسع تدريجيا وتبتلع أحياء، ومسارات انسانية مشروطة، فوق ذلك تسويق رواية إعلامية زائفة، تقدم تعطيل المساعدة كمسألة إجرائية او نتيجة قصور في الالتزامات، لا كعقاب جماعي، وبهذه الحيلة يخفض الاحتلال كلفة الحرب العلنية، ويبقي كلفة الاحتلال اليومية موزعة على المجتمع الغزّي دون استثناء.
لم يعد سرا ان قادة الاحتلال، ومن خلال إطالة أمد هدنة هشة، يسعون الى تثبيت واقع جديد معالمه نزوح بلا افق عودة، اقتصاد اغاثة هش، وسلاسل توريد تدار عن بعد، هدفهم كسر الارادة دون انفجارات فاضحة، وخلق تبعية انسانية قابلة للضغط في كل لحظة، وتأجيل اي مسار سياسي جدي عبر تحويل كل تفصيل ونقاش الى ملف تقني، وكلفة هذا الخيار لا تقتصر على عدد الشهداء فحسب، بل تترك ارثا طويلا من التشوهات؛ فتعطيل المنظومات الصحية والتعليمية يعني ضياع جيل من الخبرات، واذ يقترب الشتاء، تصبح ادوات الاذى اكثر برودة، كل ذلك يدخل في تعريف حرب لا تحتاج الى صواريخ كي تقتل.
الخروج من فخ الهدنة الوهمية يتطلب هندسة تنفيذ محددة، تبدأ بفصل المسار الانساني عن المسار الامني تحت ولاية جهات محايدة تملك صلاحيات ومصداقية، وتفعيل مسار محاسبة قانونية موثقة، وتقديم ملفات التعطيل الى جهات قضائية دولية مع جداول زمنية لعقوبات واضحة وفعالة، ففي غياب اي اجراءات ملموسة ستستمر الهدنة في العمل كديكور، لتتحول يوما بعد اخر الى ستار يسمح باستمرار ابادة بطيئة و"متقنة"، اما المجتمع الدولي فلا يمكنه الهروب من حكم التاريخ وعدالة الذاكرة؛ فإما ان تتحول البيانات الى إجراءات، تجعل من الهدنة بداية لحياة قابلة للعيش، او يبقى شاهدا وشريكا في مخطط جائر يقضم يوميا حياة شعب بأكمله.





שתף את דעתך
هدنة.. لكنها تقتل بصمت!