واشنطن – "القدس" دوت كوم -سعيد عريقات
كشف عقيد متقاعد في الجيش الأميركي، شارك في التحقيق بمقتل الصحفية الأميركية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، أن نتائج تحقيقه أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن عملية القتل كانت متعمدة، رغم نفي إسرائيل، وتبرير الإدارة الأمريكية للحادث بأنه "غير مقصود".
وقال العقيد ستيف غابافيتش، في مقابلة مع الصحفي مهدي حسن لمنصة زيتيو (Zeteo)، إنه توصّل إلى قناعته بأن إطلاق النار على أبو عاقلة كان متعمدًا خلال عشرة أيام فقط من وقوع الحادث في 11 أيار 2022، حين كانت تغطي عملية عسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم جنين بالضفة الغربية المحتلة.
وأوضح أن شيرين، الصحفية المخضرمة في قناة الجزيرة، كانت ترتدي سترة واقية تحمل بوضوح كلمة "صحافة Press " وخوذة زرقاء، وتقف في منطقة مكشوفة وبعيدة عن موقع الاشتباكات، عندما أُصيبت برصاصة مباشرة في الرأس أطلقت من موقع عسكري إسرائيلي.
وأضاف غابافيتش أن تقريره الرسمي رُفع إلى قائده في حينه، الفريق مايكل ر. فينزل، الذي كان يشغل منصب منسق الأمن الأميركي في إسرائيل، مشيرًا إلى أن فينزل صدّق على نتائجه الأولية. لكن المفاجأة — كما قال — كانت أن الجانب الإسرائيلي، عبر الجنرال يهودا فوكس، قائد القيادة المركزية في جيش الاحتلال آنذاك، أبلغ المسؤولين الأميركيين أن ما حدث كان "حادثًا مأساويًا"، وهي الصيغة نفسها التي تبنتها إدارة بايدن لاحقًا في بيانها الرسمي الصادر في 4 تموز 2022.
وقال غابافيتش بلهجة من الإحباط: "لقد اختار رئيسي الأميركي أن يصدق رواية الجنرال الإسرائيلي بدلًا من نتائج تحقيق ضابطه الميداني الذي كان في موقع الحادث".
وكان غابافيتش قد تحدث سابقًا بصفته مصدرًا مجهول الهوية في الفيلم الوثائقي "من قتل شيرين؟" الذي أنتجته منصة زيتيو، قبل أن يقرر الكشف عن هويته في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز هذا الأسبوع، مؤكدًا أن إحباطه من تجاهل العدالة الأميركية دفعه إلى الحديث علنًا.
وقال في المقابلة: "المحاباة دائمًا ما تكون للإسرائيليين، ونادرًا ما تُمنح للفلسطينيين. بيان الخارجية الأمريكية ظل يؤرق ضميري منذ ذلك الحين".
صراع الحقيقة مع السياسة
ويُعيد هذا الاعتراف فتح جرحٍ لم يلتئم في الوعيين الفلسطيني والعالمي، ويطرح تساؤلات حادة حول نزاهة الموقف الأمريكي من العدالة وحرية الصحافة، لا سيما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، الحليف الأوثق لواشنطن في الشرق الأوسط.
فبينما أجمعت تحقيقات مستقلة — من الأمم المتحدة ووسائل إعلام كبرى مثل CNN وواشنطن بوست — على أن الرصاص الذي قتل أبو عاقلة أُطلق من موقع إسرائيلي وبشكل متعمد، اختارت الإدارة الأميركية لغة دبلوماسية مائعة وصفت ما حدث بأنه "ظروف مأساوية"، متجنبة تحميل إسرائيل أي مسؤولية قانونية أو سياسية.
ويشير مراقبون إلى أن هذه القضية أصبحت نموذجًا لتغليب المصالح الإستراتيجية على المبادئ، إذ تفضّل واشنطن الحفاظ على علاقاتها الأمنية الوثيقة بتل أبيب على حساب حماية أحد مواطنيها — صحفية تمثل قيم حرية التعبير التي تدّعي الولايات المتحدة الدفاع عنها عالميًا.
أما من الناحية المؤسسية، فإن شهادة العقيد غابافيتش تكشف عن صراع خفي داخل الأجهزة الأميركية بين الضباط المهنيين الذين يسعون لتوثيق الحقيقة، وبين المستويات السياسية العليا التي تميل إلى تسييس النتائج ومواءمتها مع الاعتبارات الدبلوماسية.
إنها صورة مصغّرة عن مأزق أخلاقي يواجهه الغرب في تعامله مع إسرائيل: كيف يمكن الدفاع عن القيم الليبرالية وحقوق الإنسان، بينما تُستثنى تل أبيب من أي مساءلة؟
قضية شيرين أبو عاقلة لم تعد مجرد ملف تحقيق أو حادث مأساوي، بل اختبار دائم لصدقية الخطاب الأميركي حول العدالة وحرية الإعلام.
وبينما تمرّ السنوات دون محاسبة، يظلّ صوت شيرين، الذي أسكته الرصاص الإسرائيلي، شاهدًا على تحالف الصمت بين القوة والسياسة، وعلى عجز العالم عن حماية الحقيقة عندما تصبح مكلفة سياسيًا.





שתף את דעתך
عقيد أميركي: جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل شيرين أبو عاقلة عمدًا… وواشنطن تجاهلت الحقيقة