حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل "ليست ولن تكون محمية أميركية" ، قبيل لقائه نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس يوم الأربعاء، 22، تشرين الأول 2025، بدا كأنه يريد توجيه رسالة قوية للرأي العام الإسرائيلي والعالمي على حد سواء: إسرائيل دولة مستقلة، تتخذ قراراتها بمعزل عن أي وصاية خارجية.
لكن مراجعة متأنية لمسار العلاقات الأميركية – الإسرائيلية على مدى العقود السبعة الماضية، تظهر صورة مغايرة تماماً. فإسرائيل، على الرغم من خطابها السيادي الصارم، تعتمد في بقائها وتفوقها على دعم الولايات المتحدة في مجالاتٍ متعددة — عسكرية واقتصادية ودبلوماسية وسياسية — إلى درجة تجعلها عملياً أقرب إلى نموذج "المحمية" في العلاقات الدولية، وإن لم يُطلق عليها هذا الوصف رسمياً.
منذ قيامها عام 1948، تلقت إسرائيل مساعدات أميركية تزيد قيمتها الإجمالية على 158 مليار دولار (أو ما يعادل 318 مليار دولار في القيمة الحالية) ، وهو رقم يفوق ما حصلت عليه أي دولة أخرى من واشنطن. الجزء الأكبر من هذه المساعدات مخصّص للمجال العسكري، إذ تموّل الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من ميزانية الدفاع الإسرائيلية، وتزوّدها بأحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا، من مقاتلات F-35 المتطورة إلى منظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ. هذه المنظومة، التي تحوّلت إلى رمز للتفوق العسكري الإسرائيلي، تم تطويرها وتمويلها جزئياً بفضل الدعم المالي والتقني الأميركي.
وفي عام 2016، وقّعت إدارة الرئيس باراك أوباما اتفاقاً مع إسرائيل يمنحها مساعدات عسكرية ثابتة بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، في إطار التزام طويل الأمد بضمان "التفوق العسكري النوعي لإسرائيل" في الشرق الأوسط. هذا التعهّد لا يمنح إسرائيل فقط السلاح والتمويل، بل يوفّر لها أيضاً غطاءً استراتيجياً يجعلها قادرة على خوض حروب متكرّرة في محيط معادٍ من دون خوف من عزلة أو انهيار (وبحسب جامعة براون قدمت الولايات المتحدة نحو 30 مليار دولار لإسرائيل من 7 تشرين الثاني 2023، وحتى نهاية أيلول 2025).
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد لعبت الولايات المتحدة دور المنقذ الدائم لإسرائيل عند الأزمات. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، استخدمت واشنطن أدوات مالية مثل ضمانات القروض لحماية الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار. كما فتحت أمامه أسواقها عبر اتفاقيات تجارة حرة، وساهمت في دمج الشركات الإسرائيلية في شبكات التكنولوجيا والبحث العلمي الأميركية. بفضل هذا الدعم، تحوّلت إسرائيل من اقتصاد صغير محاصر إلى مركز عالمي في مجالات التكنولوجيا والابتكار والدفاع الإلكتروني. ويقدر الدعم الأميركي الاقتصادي لإسرائيل بحوالي 83 مليار دولار (بالقيمة الحالية) من1 قيام الدولة.
دبلوماسياً، لا تقل العلاقة تبعيةً وتأثيراً. فالولايات المتحدة تمثل الدرع السياسي لإسرائيل في المؤسسات الدولية، وخصوصاً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث استخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) عشرات المرات لحماية إسرائيل من قرارات تدين سياساتها في الأراضي المحتلة أو تدعوها للانسحاب من المستوطنات (6 مرات منذ 7 تشرين الأول 2023). هذا الغطاء الأميركي مكّن إسرائيل من الإفلات من الضغوط الدولية، ومنحها حرية حركة نادراً ما تتمتع بها أي دولة أخرى تواجه انتقادات بهذا الحجم.
سياسياً، أصبحت العلاقة بين الطرفين جزءاً من بنية صنع القرار في كلٍّ من واشنطن وتل أبيب. ففي الولايات المتحدة، يحظى الدعم لإسرائيل بإجماع شبه مطلق في الكونغرس، حيث تتداخل المصالح الحزبية مع نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (AIPAC). ولا يقتصر هذا التأثير على التمويل أو التصويت في القوانين، بل يشمل التعاون الاستخباراتي، والمناورات العسكرية المشتركة، وتنسيق المواقف الإقليمية.
وفي إسرائيل، يعرف نتنياهو وسائر القادة أن علاقتهم بواشنطن تمثل خط الأمان السياسي والعسكري والدبلوماسي، وأن أي شرخ حقيقي فيها قد تكون له تبعات وجودية على الدولة العبرية.
في ضوء هذه الحقائق، يصبح إنكار نتنياهو لصفة "المحمية" أقرب إلى خطابٍ موجه للاستهلاك الداخلي، يرمي إلى تعزيز الشعور بالسيادة لدى الجمهور الإسرائيلي، خصوصاً في ظل الانتقادات المتزايدة التي تواجهه بسبب اعتماده شبه الكامل على الدعم الأميركي في كل أزمة. فبينما يحاول نتنياهو إظهار إسرائيل كقوة إقليمية مستقلة قادرة على فرض إرادتها، تكشف الأرقام والسياسات اليومية أنها لا تزال تعتمد بشكل أساسي على مظلة الحماية الأميركية — مالياً، عسكرياً، ودبلوماسياً.
حتى في الملفات التي يحاول فيها نتنياهو الظهور بمظهر المتحدّي لواشنطن، مثل الموقف من إيران أو من التسوية مع الفلسطينيين، يبقى مجال المناورة محدوداً، لأن إسرائيل تدرك أن قوتها ومكانتها الدوليتين ترتكزان على ثقة الإدارة الأميركية واستمرار الدعم من الكونغرس. فبدون هذه العلاقة الخاصة، كانت إسرائيل لتواجه عزلة شبه تامة في الأمم المتحدة، وعقوبات اقتصادية محتملة، وتحديات وجودية في موازين القوى الإقليمية.
إن الإصرار الإسرائيلي على نفي صفة "المحمية" قد يعكس حاجة سياسية إلى تأكيد الاستقلال، لكنه في الواقع يُخفي علاقة تبعية متبادلة، حيث تشكل إسرائيل أداةً إستراتيجية في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، بينما توفر لها واشنطن الحماية والتمويل والشرعية الدولية.
بعبارة أخرى، إسرائيل تتمتع بقدر من الاستقلال الشكلي، لكنها تعمل وتزدهر داخل الإطار الذي ترسمه القوة العظمى الراعية لها. إنها دولة ذات سيادة في الشكل، محمية في الجوهر.
وبذلك، يمكن القول إن تصريح نتنياهو لم يكن نفياً بقدر ما كان تأكيداً ضمنياً على الحقيقة التي يحاول إنكارها: أن إسرائيل، مهما بلغت من قوة، تظل تعيش تحت المظلة الأميركية — سياسياً واقتصادياً وعسكرياً — وتستمد من واشنطن ليس فقط أمنها، بل مكانتها ذاتها في النظام الدولي.





שתף את דעתך
نتنياهو يؤكد أن إسرائيل ليست محمية أميركية...لكن الوقائع تقول العكس