لقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 29 سبتمبر/أيلول 2025 "خطة سلام" تتكون من 21 بندًا، جاءت بعد جولات من المفاوضات بين وفدي حركة حماس وإسرائيل، برعاية أمريكية مصرية قطرية تركية، والتي تكللت في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 في مدينة شرم الشيخ المصرية في التوصل إلى اتفاق بشأن المرحلة الأولى من خطة ترمب للسلام في القطاع، تضمنت الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين في غزة ووقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
وفي هذا الصدد، لا بد من القول إن الاتفاق القائم هش للغاية، لكنه لن يقود إلى حرب جديدة، بل سيفسره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفق منهج "الخروقات المتدرجة". وهذا يقودنا للحديث عن دلالات عودة نتنياهو للتصعيد الذي حصل في القطاع في 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حيث صرح نتنياهو بأن الجيش الإسرائيلي قصف غزة في يوم واحد بـ 153 طنّاً من المتفجرات وأكثر من 120 غارة. والهدف من ذلك هو استثمار أي إنجاز سياسي أو عسكري وأمني، وبالتحديد خلق الذرائع لمواصلة سياسة الاغتيالات والضغط المستمر بأن عصا نتنياهو الغليظة مرفوعة على غزة، ومن أجل عدم اتهامه في الاستسلام للمقاومة، فنتنياهو يريد إيصال رسالة للمجتمع الإسرائيلي بأن القرارين السياسي والعسكري ما زالا بيده، ولم ينتقلا ليد الرئيس الأمريكي ترمب الذي تكفل في إنجاز الاتفاق. فالتصعيد الأخير الذي أقدم عليه نتنياهو ثم تراجع عنه لاحقًا لم يكن مجرد خطوة عابرة، بل يحمل ثلاث رسائل أساسية ذات أبعاد داخلية وإقليمية ودولية.
الرسالة الأولى موجهة للداخل الإسرائيلي، حيث يسعى نتنياهو إلى إرضاء الأصوات المتطرفة داخل حكومته مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في إطار دعاية انتخابية مبكرة لحملة نتنياهو القادمة التي يسعى نتنياهو من خلالها لكسب أصوات اليمن المتطرف وبنفس الوقت كسب أصوات من خارج اليمين، وأن مصالح إسرائيل هي العليا وأن قوة إسرائيل هي من تتحكم في القرار ولا يوجد عليه ضغوطات أمريكية أو دولية، ليلغي القول إن القرارين السياسي والعسكري أصبحا بيد الرئيس الأمريكي، جاء هذا التصريح ليسكت هذه الأصوات المتزايدة، وبالتحديد من كبار ضباط الجيش الذين يحذرون من تحكم الإدارة الأمريكية في القرارين السياسي والعسكري الإسرائيليين، وقالوا إن الأميركيين هم من يحددون الوتيرة، وهذا يعطي تصورًا لما هو قادم بخصوص قطاع غزة. فنتنياهو يخطط للترشح مجددًا للانتخابات المقبلة في سنة 2026، ويمكن أن يقوم بتقديم موعد الانتخابات مع بداية السنة المقبلة، يريد أن يثبت أنه "لا أحد يزاود عليه"، وأنه القائد القومي الذي يجمع بين صفتي "بطل الحرب وبطل السلام"، ما يمنحه أوراق قوة إضافية في مواجهة خصومه السياسيين.
أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى المقاومة والشعب الفلسطيني، وتتمثل في إصرار نتنياهو على تكريس واقع جديد يقوم على أن اليد العليا تبقى له، وأنه قادر على فرض إرادته في أي وقت وبالطريقة التي يراها مناسبة، مطالبًا الفلسطينيين بالتسليم بهذا الواقع والتعايش معه، فهذه هي سياسة الاحتلال الإسرائيلي الذي دائماً يسعى لخلق وقائع تفرض على الفلسطينيين. ونتنياهو بارع في ذلك، فمنذ تسلمه رئاسة الوزراء لأول مرة سنة 1996، عمل على تعطيل اتفاقية أوسلو والتنصل من مراحل التطبيق، واستطاع إفراغ الاتفاق من محتواه، وتدرج في إفشال جميع الاتفاقيات حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه من استيطان وتهويد للقدس وتقطيع أوصال الضفة الغربية، ومصادرة أموال المقاصة.
أما الرسالة الثالثة، فجاءت للوسطاء الإقليميين والمجتمع الدولي، إذ يحاول نتنياهو من خلالها فرض القبول بسياساته القائمة على الخروقات المتكررة، والدفع بالوسطاء للضغط على الفلسطينيين من أجل تقديم مزيد من التنازلات.
يُذكر أن الاتفاق القائم هش للغاية، لكنه لن يقود إلى حرب جديدة، بل سيفسره نتنياهو وفق منهج "الخروقات المتدرجة"، عبر القصف والاغتيالات والحصار الجزئي والضربات المتقطعة، للحفاظ على مظهر الاتفاق أمام الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي ترمب، ولتحسين صورة إسرائيل دوليًا.
وفي السياق ذاته، يسعى نتنياهو لتطبيق نموذج "الحالة اللبنانية" على قطاع غزة، بحيث تصبح غزة "لبنان 2"، أي التعامل معها بأسلوب مشابه مع وجود فروقات بسيطة، إذ لا يزال الاحتلال يسيطر على أجزاء كبيرة من القطاع.
وهذا ما تثبته وتؤكده العديد من الوقائع الميدانية، حيث لم تُحاسَب إسرائيل على سبعة أيام من الخروقات وعددها 80، والتي أسفرت عن استشهاد 87 مواطنًا وإصابة 311 آخرين، إضافة إلى تقليص المساعدات الإنسانية كمًا ونوعًا، في وقت يُحمّل فيه المجتمع الدولي المقاومة المسؤولية عند وقوع أي هجوم ضد الجنود الإسرائيليين.
أما بخصوص "مجلس السلام" الذي يُروّج له ترمب، فهو امتداد لصفقة القرن، ويهدف إلى استكمال ما تبقى منها في ولايته الأولى التي لم يستطع استكمالها بالكامل، والتي بدأت في نقل السفارة الأمريكية للقدس، وحسم موضوع القدس بأنها عاصمة دولة إسرائيل، ومنح الجولان السوري لإسرائيل، وقد ضغط على العديد من الدول العربية والخليجية للتطبيع مع إسرائيل حتى سنة 2018، ليعود من جديد ليركز على جوهر صفقة القرن المتمثل في تركيزه على التطبيع العربي– الإسرائيلي وتعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية، وإعادة تسييدها بعد انكشافها في السابع من أكتوبر الذي كشف أن إسرائيل بحاجة إلى من يحميها بعد أن كان مطلوباً منها حماية مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وتتمثل مهمة هذا المجلس الذي سيكون "واجهة شكلية لتبييض صورة إسرائيل"، وشطب قرار محاكمة اعتقال رأس الهرم السياسي الإسرائيلي نتنياهو ورأس الهرم العسكري يوآف غالانت وزير الحرب السابق من قبل المحكمة الجنائية الدولية العام الماضي، بالسعي إلى إيجاد حلول ترقيعية مؤقتة لإعادة إسرائيل إلى مشهد الدولة الديمقراطية المتحضرة، وهي صورة باتت مشوهة بعد حرب الإبادة على قطاع غزة.
فإن جوهر ما يجري اليوم ليس مسار سلام حقيقي، بل محاولة لإعادة فرض إسرائيل كقوة مهيمنة في المنطقة، فيما يبقى الشعب الفلسطيني محرومًا من حقوقه الأساسية وحقه المشروع في دولة مستقلة.
إن مستقبل الاتفاق يقع بالدرجة الأولى على الإدارة الأمريكية ممثلة في ترمب، وإلى أي مدى ستسمح لنتنياهو بمواصلة الخروقات المتدرجة في قطاع غزة، وهل هناك اتفاق أمريكي إسرائيلي سري في إعطاء الضوء الأخضر للاستمرار بالخروقات، ولكن بما يضمن استمرار الاتفاق، واعتبار هذه الخروقات ورقة ضغط على المقاومة من أجل التذكير بإمكانية استئناف الحرب على القطاع في حال لم تقدم تنازلات لإسرائيل. والنقطة المهمة هي استثمار الاتفاق والخروقات لتحقيق العديد من الأهداف، وبالتحديد الضغط على المقاومة وعلى الشعب الفلسطيني وتصفية الحساب مع أعضاء وقادة المقاومة من خلال عمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل متى سنحت لها أي فرصة، كما يحصل في لبنان، فإما تحقيق الشروط الإسرائيلية في المفاوضات أو في استخدام القوة المضبوطة والمسموحة أمريكياً، وعلى هذا الأساس لا يمكن لنتنياهو خرق الاتفاق دون ضوء أخضر أمريكي، ويأتي في هذا الصدد تصريح الرئيس ترمب في 21 تشرين الأول/أكتوبر الحالي بأن "حلفاء بالمنطقة أبلغوني أنهم سيرحبون بدخول القطاع بقوة عسكرية ضخمة وتأديب الحركة إذا انتهكت اتفاقها معنا"، ويمكن القول إن هذا التصريح رسالة تهديد واضحة لحركة حماس من أجل الانصياع إلى الشروط الإسرائيلية، وبنفس الوقت منح نتنياهو الضوء الأخضر المضبوط في حدود السقف المسموح له أمريكياً، والذي يتجسد في الخرق الذي لا يُحدث إنهاء للاتفاق والعودة إلى القتال من جديد بما لا يضر بصورة إسرائيل التي أصبحت على المستوى العالمي منبوذة، وأصبحت السردية الإسرائيلية مرفوضة وغير مقبولة عالميًا حتى في الولايات المتحدة، حيث تدنى التأييد لإسرائيل إلى أبعد الحدود، فهرع ترمب لإنقاذ إسرائيل من نفسها ومن قيادتها التي تلهث خلف مصالحها الشخصية والحزبية الضيقة، ومن أجل منع استمرار الحرب الخاسرة على جميع الصعد، ليفتح نافذة الفرص السياسية لعودة إسرائيل لبناء علاقات جديدة مع الدول الخليجية، ويتم تقبلها على المستوى العالمي شعبيًا من جديد. وفي النهاية يبقى السؤال المطروح والمرتبط بمستقبل هذا الاتفاق ومفاده: هل سيعود نتنياهو للتصعيد والحرب، في ظل الحديث المتكرر والمخاوف التي يتم تداولها في الإعلام الإسرائيلي وتتحدث عن أنه يمكن أن يقوم نتنياهو بالعودة للحرب؟ وأعتقد أن هذه التصريحات وكل ما يدور في الصدد نفسه تندرج في إطار التهديد والضغط على حماس وتهيئة المجتمع الإسرائيلي إلى احتمالية العودة للقتال من جديد، وفي الوقت ذاته تؤكد حماس على لسان رئيس الوفد المفاوض ورئيسها في القطاع خليل الحية التزامها بالاتفاق، وهذا التصريح يعري سردية إسرائيل ومن خلفها أمريكا، وهذا واضح للوسطاء بأن حماس ملتزمة بما تم الاتفاق عليه وهي تسعى لإنهاء الحرب.





שתף את דעתך
مستقبل اتفاق غزة.. إلى أين؟