منذ اللحظة الأولى لإعلان وقف إطلاق النار، لم يكن السؤال هل سيلتزم الاحتلال، بل متى سيكسره؟ فكل المؤشرات، من سلوك القيادة السياسية الى ايقاع الميدان، كانت تقول إن الاحتلال لا يبحث عن فرصة لإنهاء العدوان، بل لتمديده تحت مسميات جديدة، وبالتالي فقد كانت بالنسبة له استراحة تكتيكية، لا خيارا استراتيجيا، وفرصة لتبديل الذخيرة لا لوقف شلال الدم.
سعى الاحتلال الى هدنة مؤقتة تخلصه من وصمة العار التي تلاحقه، والمتمثلة ببقاء أسراه في غزة طوال عامين كاملين، عجز خلالها رغم كل ما أوتي من قوة وتكنولوجيا، وترهيب وترغيب، عن الوصول اليهم، فهي بالنسبة له لم تكن "لحظة أخلاقية" بقدر ما كانت خطوة دبلوماسية محسوبة لإعادة تلميع صورته، داخليا وخارجيا، وتبريد الضمير الغربي الذي بدأ يتململ من مشاهد الجثث والركام، وفرصة تسكت - ولو مؤقتا- غضب الشوارع العالمية، وتخفف من الضغط على الحكومات الغربية المربكة، وتحد من موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، بل أكثر من ذلك، وتفرغها من معناها، وتجمد المسارات القضائية في المحاكم الدولية التي بدأت تقترب من الأسئلة المحرجة.
على الأرض كانت المعادلة مختلفة تماما، أراد هدوءا استخباراتيا، وفترة تسمح باعادة تحديث بنك اهدافه، بعد ان فاض بدماء النساء والاطفال، فضلا عن ترميم شبكاته الميدانية، واعطاء عيونه في الارض والسماء وقتا كافيا لجمع المعلومات وإعادة رسم الخرائط، فكما جرت العادة، وفي كل هدنة، تعيد اجهزته حساب المسافات والاتجاهات، فكان الهدوء واجهة تضليلية، اما في غرف العمليات فكان الاستعداد محموما، حيث لم تتوقف طائرات الاستطلاع عن التحليق وجمع الصور والمعلومات.
وبالتالي، فالاحتلال دخل الهدنة وهو يدرك انها مرحلة مؤقتة في حرب لا نهاية لها، لذلك اراد استعادة زمام المبادرة، وادارة المشهد السياسي والعسكري على طريقته، مستندا الى غطاء امريكي مطلق، لم يعد يكتفي بالصمت، بل يصوغ المبررات مسبقا، ويعيد ترتيب مسرح الجريمة، فكما هو معلوم، فالولايات المتحدة، ليست، كما لم تكن يوما، وسيطا، كما تدعي، بل شريكا كاملا في المذبحة، بل هي الفاعل الرئيس، تسعى لحماية دولة الاحتلال، وترميم صورتها بعد طمستها مشاهد الدم والدمار.
في خلفية هذا المشهد، كانت واشنطن تتحرك، بوصفها الطرف الذي يمنح الشرعية لما لا يمكن تبريره، وبعد فشل الاحتلال في تحقيق "النصر الحاسم" رغم الدعم العسكري والاستخباراتي غير المسبوق، تجد واشنطن تحاول اعادة تدوير المشهد عبر المسار السياسي والدبلوماسي، فما عجزت عنه الصواريخ، يحاولون تحقيقه عبر الضغوط الداخلية والخارجية، او المؤتمرات ووعود الاعمار، والمقايضات الاقليمية، اما الهدف، فواحد ومعلن.
من الناحية الاستراتيجية، يعيش الاحتلال مأزقا وجوديا، ورغم تبجح قادته بانهم يغيرون وجه الشرق الأوسط والعالم، ويخوضون حروبا على جبهات ثمانية، لكن الحقيقة ان كل حرب تزيده هشاشة، وكل هدنة تفضحه اكثر، لذلك فانه وفي حال انهيار وقف اطلاق النار - لا قدر الله - فانه سيسعى لجعل الوضع اشد خطورة، لانه وببساطة، فهم خلال الايام الماضية ان المستعدين لمهاجمة المقاومة كثر، وحتى انهم اكثر مما توقع، غير ان هدير الطائرات حال دون ان تسمع اصواتهم بالقدر نفسه من الوضوح.
فتجد الاحتلال يسعى لجولة اكثر عنفا، لا لأجل الحسم العسكري، فهذا أمر فشل فيه، وسيفشل كلما عاود الكرة، لكنه سيسعى هذه المرة لكسر روح المقاومة، وفرض معادلة الردع النفسي، أما واشنطن، فكما واصلت ادارة اللعبة، ستواصل، لتمنح الاحتلال وقتا يمكنه من ارتكاب نفس الإجرام، لكن تحت عناوين جديدة ومبررة، لان ما يفعله الاحتلال اليوم ليس وقفا للعدوان، بل إعادة انتاجه بإيقاع أبرد، وغطاء أعمق، وكذب أشد إتقاناً.
ב 20 אוק 2025 9:29 am - שעון ירושלים
بين الهدنة والخداع: حين يُستخدم الهدوء للإعداد للحرب!
أمين الحاج





שתף את דעתך
بين الهدنة والخداع: حين يُستخدم الهدوء للإعداد للحرب!