في محطات مفصلية وجب الوقوف عندها من باب استخلاص العبر، ومقارنة الأهداف بالنتائج، ومقدار جني الربح بالخسائر، خاصة تلك المحطات الفاصلة والفارقة في حياتنا كشعب تحت الاحتلال، وعدم السذاجة إلى الحد الذي يعني الاستفحال بالغباء، وفي مجاراة البعض الذين يخرجون للتمجيد والتبجيل لمحطة لم تحقق شيئًا من أهدافها، مطالبين بضرورة العمل على استنساخ التجربة. فليست كل تجربة تستحق الاستنساخ، بل إن بعض التجارب الواهمة تستوجب الاعتذار عنها، كتلك التي يكون مردودها كارثياً، ونتائجها السحق والإبادة.
قلنا ونقول إن حدث السابع من أكتوبر لا يمكن تقييمه بمجرد وقف حرب الإبادة، بل إن عملية القراءة الفاحصة قد تحتاج لأشهر وأعوام حتى تكون الصورة قد اتضحت بشكلها الكامل ومن دون انحياز، وصولاً إلى مرحلة هامة وهي استخلاص النتائج، أما وقد سبق هذا بعض المفرطين بالإعجاب، والتلويح بضرورة استنساخ التجربة ونقلها إلى الضفة، فهذا يؤكد منسوب الهطل الذي يراكم الخراب في الوعي الفردي ويسعى إلى اتساع رقعة الدمار، في ظل حالة الإفلاس السياسي، بعد أن تم عقد الصفقة التي لم تكن بمستوى أي شيء، بل هي تعبير عن هزيمة وقعَّت عليها بأصابعها العشرة، وإن حاول البعض التنكر لهذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس.
إن أسوأ ما يحدث في هذه الأيام أن يزاود من يعيش في واشنطن أو أثينا أو الأردن أو دبي، وحتى في رام الله، على من يعيش داخل خيمة جنوب خانيونس.
أكتب هذا الكلام وأنا أطالع بعض شُذّاذِ الأفكار يتكاثرون ويكتبون بطولاتهم على الكيبورد، وكأن لديهم عقدة مع الوطن؛ فمنذ سافروا وتركوا البلاد وهم مسكونون بعقدة الانتماء التي فقدوها، فباتوا يجترّون الكلام عنوةً في دلعٍ غير آبهين بمآلات الواقع الصعب، متخذين من كلماتهم دور البطولة، ومن عدميّة مواقفهم التي لا تُحدث فرقًا في الحقيقة، بل تزيد الشرخ وتوطّد الانقسام في نزواتهم التي اعتادوا أن تحكم سلوكهم، وهم يعبّرون عنها من خلال ما يكتبونه. ( هنا الاستثناء واجبًا، وليس المقصود اللاجئين في المنافي والشتات غصبًا والمبعدين، بل الذين سافروا بمحض ارادتهم، وليسوا جميعهم بل الفئة المغيبة عن الواقع، المسكونة بالتشكيك وتوزيع الاتهامات).
شرٌّ مطلقٌ أن يبقى الفلسطيني عرضةً لكل شُذّاذِ الأفكار الذين تراهم يمتدحون أنظمة العدالة والقانون والحريات في البلاد التي سافروا إليها، طلبًا للعلم والعمل والحياة، وفي الوقت ذاته تجدهم يريدون لنا أن نعيش وسط غابةٍ محكومٍ على كل من فيها بالإعدام.
إنَّ التعالي عن الاعتراف بالخطأ، أكثر قبحًا من الخطأ نفسِه، وإنَّ ما يراه البعضُ تفاكُرًا هو استسلامٌ ذهنيّ في محاولة استنساخ تجارب الخراب والدمار، وهذه إحدى الصور العدمية، التي تفتح الباب أمام السؤال القائل؛ لماذا لا تكون هناك محطة لاستخلاص العبر؟ وتقييم التجارب.
إنَّ النقاشاتِ العقيمة التي تدور حول تبرير عمليات القتل من دونِ محاكمةٍ، دليلٌ على دمويةِ أفكارٍ غارقةٍ في لوثةٍ جينيةٍ، يجبُ الحذر منها، كما أنَّ منطق الدفاع عن القتلة يشكّلُ انحرافًا في بوصلةِ الأخلاق واستباحةً إجراميةً بالغةَ الخطورة تُهدّدُ المجتمع.
أقرأ نقاشاتٍ يلفتُني فيها فكرةُ محامٍ أو قاضٍ يدلي دلوَهُ مؤيّدًا أن يؤخذَ القانونُ بهذا الإجرامِ، من دونِ محاكماتٍ عادلةٍ، ومرافعاتٍ واعترافاتٍ واضحةٍ، ويؤلمني أن يكونَ البعضُ مغفلاً مأخوذًا بتعصب يبرّرُ تلكَ الأفعالَ البربريةَ. - هل تكونُ اللوثةُ أصابتنا حتى العظم؟
لسنا في حظيرةٍ ليقتل القويُّ منا الضعيف، وليست غزة غابة كي يسود فيها الشر. أعرفُ بعض الذين يعيشون في دولٍ تحترمُ حتى حقوق الحيوان، وكثيرًا ما أراهم معجبين بتلك القوانين التي تحافظُ على كرامة الإنسان والحيوان، ثم أجدُهم يدافعونَ عن القتلةِ الذين يمارسونَ الإعداماتِ في الشوارعِ بحقِّ البشرِ تحت ذرائعَ العمالةِ، من دونِ أيِّ محاكمة.
- هل يكون الفصل ما بعد الإبادة، فصل الحرب الأهلية؟
مفارقة أخرى في تاريخنا الفلسطيني، لم يسبق أن وسمت عائلات برمتها بالعمالة، ودائمًا كانت العائلات الفلسطينية تطرد منها العميل إذا وقع في فخ التعاون مع الاحتلال، فكيف يخرج علينا من يريد تبرير جريمته بنعت العائلات بالعمالة والانقضاض عليها بسطوة السلاح.
وفي النهاية، يبقى واجبنا كفلسطينيين أن نستخلص العبر من محطاتنا التاريخية، نرفض الانحراف الفكري، ونصون وعينا وأخلاقنا وترابطنا الاجتماعي، ليبقى مجتمعنا قوي وسليم البنيان، وتبقى تطلعاتنا بالحرية والاستقلال واحدة، ويظل الإنسان الفلسطيني أغلى ما نملك.





שתף את דעתך
وعينا تحت الاختبار