واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات
نشرت صحيفة واشنطن بوست تحليلًا للكاتب إيشان ثارور، تناول فيه جولة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الأخيرة في الشرق الأوسط، والتي رافقها كثير من مشاهد الاستعراض السياسي والتصفيق الرسمي، خصوصًا بعد نجاحه في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. وقد حظي ترمب باستقبال حافل في الكنيست الإسرائيلي، حيث ألقى خطابًا تحدث فيه عن "فجر جديد للشرق الأوسط"، كما التقى بالرهائن المحررين من غزة وأسرهم، وشارك في قمة عقدت في مدينة شرم الشيخ المصرية لمناقشة خطته للسلام.
"فجر جديد"… أم مبالغة سياسية؟
بحسب ثارور، بدا ترمب خلال زيارته للكنيست واثقًا من نفسه، معلنًا نهاية "أعظم حرب في التاريخ"، على حد تعبيره، من دون الإشارة إلى السياق التاريخي الدقيق أو التعقيد الحقيقي للنزاع. وبينما كانت مشاعر الفرح جلية بين عائلات الرهائن الإسرائيليين، وساد الارتياح بعض الأوساط الفلسطينية في غزة عقب عامين من الحرب والدمار، إلا أن الكاتب يرى أن التفاؤل الذي رافق جولة ترمب قد يكون سابقًا لأوانه، خاصة في ظل المؤشرات الميدانية التي تنذر بعدم استقرار مستدام.
واقع ميداني هش
في الوقت الذي بدأ فيه الحديث عن إعادة إعمار غزة، تصاعدت التوترات على الأرض. إذ أعلنت إسرائيل أنها فتحت النار على فلسطينيين اقتربوا من مواقع عسكرية، كما قررت تقليص عدد شاحنات المساعدات المسموح بدخولها إلى القطاع. وفيما كان من المفترض أن تبدأ عملية تسليم رفات بعض الرهائن القتلى تدريجيًا، ظل الوضع الإنساني في القطاع هشًا وقابلًا للتدهور في أي لحظة.
على المستوى السياسي الداخلي، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطًا متزايدة من حلفائه في اليمين المتطرف الذين يرفضون التسوية مع حماس ويطالبون بالقضاء الكامل عليها. ورغم أن الحركة لا تزال قائمة، بل وتقوم بقمع خصومها في غزة، فإن غياب أي تمثيل رسمي لحماس أو إسرائيل في قمة شرم الشيخ يعكس هشاشة التفاهمات المبرمة، وغياب أي حوار مباشر بين الطرفين.
نزع السلاح… مطلب بلا ضمانات
التركيز الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، ما يزال منصبًا على مستقبل حماس وضرورة نزع سلاحها. وقد صرّح ترمب بأن نزع السلاح سيتم "حتى بالقوة إذا لزم الأمر". في المقابل، تخوّف مسؤولو حماس من أن يُستخدم وقف إطلاق النار كمهلة مؤقتة قبل استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وطالبوا بضمانات مكتوبة بعدم تجدد الحرب، إلا أن إدارة ترمب اكتفت بتقديم تطمينات شفهية عبر وسطاء مثل مصر وقطر وتركيا.
ورغم الحديث عن ضغوط مارستها إدارة ترمب على نتنياهو للقبول بالهدنة، فإن مراقبين يرجحون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يعود إلى التصعيد العسكري، خاصة مع اقتراب الانتخابات عام 2026، في محاولة لحشد التأييد الشعبي واستعادة شعبيته المتراجعة في ظل استمرار محاكمته بتهم فساد.
خطة سلام تفتقر للآليات
ورغم ترويج ترمب لخطة سلام مكونة من 20 بندًا، إلا أنها، بحسب التحليل، تفتقر إلى آليات واضحة لتحقيق تطلعات الفلسطينيين. تتضمن الخطة إشارات غامضة إلى “مسار موثوق نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية”، لكن هذه الصيغة مرفوضة تمامًا من قبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، ولا توجد أي مؤشرات على وجود مسار دبلوماسي فعلي نحو الحل السياسي.
وفي هذا السياق، شدد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في مقابلة مع BBC، على أن مستقبل الفلسطينيين يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي تسوية، قائلاً: "الرئيس ترمب يدرك أن الأمر لا يتعلق بغزة فقط، بل بمصير شعب بأكمله… لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما لم يكن للفلسطينيين أفق سياسي".
رمزية ترمب أم التزام حقيقي؟
لكن الكاتب يرى أن اهتمام ترمب يتركز أكثر على المكاسب الرمزية والسياسية، مثل تعزيز فرصه في الترشح لجائزة نوبل للسلام، بدلًا من معالجة جذور الصراع. ويُظهر ذلك مشاركة بعض المقربين من ترمب، مثل مايك هاكابي وديفيد فريدمان، في فعالية خيرية إسرائيلية، حيث سخرا من حل الدولتين بأداء ساخر لأغنية أميركية شهيرة معدلة بكلمات تؤيد الاستيطان.
فجوة تتسع بين الرؤى
يختتم ثارور تحليله بالإشارة إلى الفجوة العميقة بين رؤية إدارة ترمب المتناغمة مع اليمين الإسرائيلي، وبين موقف العالم العربي والمجتمع الدولي المتمسكين بحل الدولتين. ويقول إن وقف الحرب لا يعني تحقيق السلام، وإذا لم يتم التعامل بجدية مع اليوم التالي، فإن الحديث عن “فجر جديد” لن يكون سوى وهم جديد يُضاف إلى سلسلة من الوعود غير المحققة في تاريخ الصراع .





שתף את דעתך
ترمب يحتفي بـ"انتصار السلام" في المنطقة وسط شكوك دولية حول مستقبل الصراع