د. رائد الدبعي: ما طرحه ترمب لا يعكس انتقالًا من إدارة السلام إلى صناعته بل تحوّلٌ نحو فرض الرؤية الأمريكية الإسرائيلية كأداة هيمنة جديدة
سري سمور: تصريحات ترمب تؤكد أن الحرب على غزة أمريكية.. والمرحلة التالية من خطته سوف تصطدم بعقبات كبيرة تعيق استكمالها
د. دلال عريقات: لم يتطرق إلى الدولة الفلسطينية أو حل الدولتين أو حق تقرير المصير وهو "خطر كبير" يحوّل القضية إلى صفقة عقار
د. عمر رحال: ما يجري لا يعدو كونه إدارة أزمة جديدة وفق المقاسات الأمريكية والإسرائيلية بعيداً عن أي حلول سياسية عادلة للفلسطينيين
محمد جودة: الهدف بناء نظام سياسي وأمني واقتصادي جديد بغزة ما يعني الانتقال من إدارة نتائج الصراع إلى إعادة تشكيل بيئته
د. أمجد بشكار: ما حدث بعيد عن أي مسار حقيقي لصناعة السلام ويكرس مقاربة أحادية تخدم مصالح إسرائيل وتهمش الحقوق الفلسطينية
يكرس خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمام الكنيست الإسرائيلي، ثم في قمة شرم الشيخ، رؤية أمريكية إسرائيلية تهدف إلى فرض واقع جديد يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي، ولا يعكس انتقالاً من إدارة الصراع إلى صناعة السلام، بل يأتي الخطاب في سياق فرض ما يسميه ترمب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي "السلام بالقوة"، وذلك من أجل تحقيق الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن خطاب ترمب جاء محملاً بسردية إسرائيلية بحتة، متجاهلاً الحقوق الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية، في سياق خطوة نحو "سلام مفروض بالقوة" بعيداً عن العدالة.
ويرى الكتاب والمحللون أن ترمب تحدث بلسان إسرائيل، مقدماً نفسه كشريك في الحرب من خلال إقراره بتزويدها بالأسلحة الحديثة ومدح استخدامها في غزة، وهو اعتراف مباشر بالتواطؤ في جرائم الحرب، كما تجاهل تماماً منظمة التحرير الفلسطينية وحق تقرير المصير، فيما كرّس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، متجاهلاً جرائم الاحتلال في القدس والضفة، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن ما جرى في قمة شرم الشيخ لم يكن صناعة سلام متعددة الأطراف، بل مصادقة على خطة أمريكية جاهزة، ربطت إعادة الإعمار بشروط أمنية واقتصادية، وحوّلت القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني منزوع البعد السياسي، مشددين على أن هذا النهج لا يبني سلاماً دائماً، بل يدشن مرحلة جديدة من الهيمنة.
الارتكاز إلى سردية إسرائيلية بالكامل
يؤكد الناطق باسم جامعة النجاح الوطنية والمحاضر في قسم العلوم السياسية د.رائد الدبعي أن ما طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي ثم في قمة شرم الشيخ، لا يعكس انتقالًا من إدارة السلام إلى صناعته، بل يمثل تحولًا نحو فرض الرؤية الأمريكية الإسرائيلية كأداة هيمنة جديدة على الإقليم.
ويوضح الدبعي أن خطابي ترمب ارتكزا على سردية إسرائيلية بالكامل، وتجاهلا أي إشارة إلى الحقوق الفلسطينية المشروعة أو القانون الدولي، وهو ما يكرس "السلام المفروض بالقوة" وليس السلام العادل القائم على قرارات الشرعية الدولية.
ويشير إلى أن ترمب تحدث بلسان إسرائيل وبلغة المنتصر، معتبرًا أن إسرائيل حققت كل ما يمكن تحقيقه، وهو ما يعني تبني الرواية الإسرائيلية وإقصاء الجانب الفلسطيني بالكامل من المعادلة.
ويؤكد الدبعي أن ترمب أقرّ بشراكته المباشرة في العدوان من خلال تأكيده تزويد إسرائيل بالأسلحة الأمريكية الحديثة، بل ومدح استخدامها "المحترف"، وهو ما يشكل اعترافًا صريحًا بالمشاركة الأمريكية في قتل المدنيين من أطفال ونساء غزة، ويعكس تواطؤًا سياسيًا وأخلاقيًا في جرائم الحرب التي تمت.
ويؤكد الدبعي أن الخطابين تجاهلا بشكل كامل منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ما يمثل تجاوزًا للشرعية القانونية والسياسية الدولية، ومنح إسرائيل صورة الطرف الوحيد القادر على اتخاذ القرار في ملف السلام.
تعمّد تجاهل جرائم الاحتلال بالضفة والقدس
ويلفت الدبعي إلى أن ترمب لم يتطرق بأي شكل لجرائم الاحتلال في الضفة الغربية أو القدس، متعمدًا تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، بما يخدم رؤية اليمين الإسرائيلي الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية على مراحل.
ويشير إلى أن خطاب ترمب تجاوز كليًا مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، إذ لم يرد أي ذكر لاتفاقيات جنيف أو قرارات مجلس الأمن، ما يعكس التعامل مع القانون الدولي باعتباره عائقًا يجب تجاوزه لا مرجعًا يجب احترامه.
ويلفت الدبعي إلى حالة الغزل السياسي التي ظهرت بوضوح في إشادته برئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بل وذهب إلى حد مطالبة الرئيس الإسرائيلي بمنحه عفوًا خاصًا عن القضايا المرفوعة ضده، في مشهد يعكس عمق التحالف الأمريكي الإسرائيلي على قاعدة حماية متبادلة بين زعيمين شعبويين يمينيين يتقاسمان احتقار القانون الدولي.
ويوضح أن انحياز ترمب بدا أيضًا في توصيف الضحايا، إذ اعتبر جميع قتلى غزة من حركة "حماس"، متجاهلًا أن الغالبية العظمى من الضحايا هم من المدنيين، وهو تزييف متعمد للواقع ومصادرة لحق الضحايا في العدالة.
تغييب قضايا جوهرية
ويؤكد الدبعي أن تغييب قضايا جوهرية مثل حق تقرير المصير، وقيام الدولة الفلسطينية، وحق اللاجئين في العودة، والقدس كعاصمة للفلسطينيين، يجعل ما يسمى خطة ترمب للسلام خطة إسرائيلية الجوهر والمضمون، تعكس المصالح الاستعمارية لحكومة اليمين المتطرف.
وعن دلالات الحضور الدولي في قمة شرم الشيخ، يوضح الدبعي أن الإيجابية الوحيدة تمثلت في وقف الإبادة الجماعية ووقف نزيف الدم.
لكن الدبعي يشدد على أن الحضور الدولي كان شكليًا لتجميل رؤية مفروضة، ولم يكن تعبيرًا عن تعددية في صناعة السلام، فالقادة تمت دعوتهم للمصادقة على خطة جاهزة لا للمشاركة في صياغتها، وهو ما يعكس امتدادًا مباشرًا للرؤية الأمريكية التي تحصر الإعمار في بعد اقتصادي مشروط أمنيًا، دون أي بعد سياسي أو سيادي للفلسطينيين.
ويبيّن الدبعي أن خطة ترمب ربطت إعادة الإعمار بتخلي الفلسطينيين عن "الإرهاب"، دون أي إشارة إلى إرهاب دولة الاحتلال والمستوطنين، ما يحوّل المساعدات إلى أداة عقاب جماعي تستخدم الاقتصاد كسلاح لإخضاع الفلسطينيين.
ويعتبر الدبعي أن ذلك يعيد القضية الفلسطينية إلى مربعها القديم كملف إنساني اقتصادي منزوع البعد التحرري والسيادي، في محاولة لتجميل الاحتلال بواجهة عربية ودولية.
ويؤكد الدبعي أن ما جرى في خطابي ترمب وفي قمة شرم الشيخ يمثل فرض رؤية استعمارية جديدة تتجاوز القانون الدولي وتشرعن العدوان، وتحول الفلسطيني من ضحية إلى متهم، والعالم من وسيط إلى شاهد صامت على إعادة إنتاج الاحتلال بثوب جديد.
أمريكا حوّلت غزة إلى ساحة لتجريب الأسلحة الحديثة
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الكنيست وقمة شرم الشيخ يوضح بجلاء أن ما يجري في غزة ليس إلا حربًا أمريكية بامتياز، فيما يشير إلى أن استكمال خطة ترمب بشأن غزة سيصطدم بعقبات كبيرة تعيق استكمالها.
ويوضح أن الولايات المتحدة حوّلت قطاع غزة، بأطفاله ونسائه وبناه التحتية ومشافيه، إلى ساحة لتجريب الأسلحة الحديثة، سواء في عهد جو بايدن أو عهد دونالد ترمب، دون أي وازع من ضمير أو التزام حقيقي بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترفعها الإدارات الأمريكية.
ويرى سمور أن حديث ترمب المتكرر عن السلام، وادعاءه أن الحرب انتهت، ليسا سوى محاولة لإظهار أن كل هذه التحركات تجري بأمر أمريكي وبصفقة مع العرب والمسلمين، مشيرًا إلى أن هدف ترمب الأساسي كان استعادة الأسرى الإسرائيليين.
ويعتقد سمور أن المرحلة التالية من خطة ترمب ستصطدم بعقبات كبيرة تجعل استكمالها أمرًا غير مرجح، معربًا عن أمله في ألا تتعطل عجلة إعادة إعمار غزة.
فلسطين حاضرة في المجتمعات الغربية
وفيما يتعلق بالحضور الدولي في قمة شرم الشيخ، يشدد سمور على أنه طبيعي وغير مستغرب، لأن القضية الفلسطينية عادت لتتصدر المشهد الدولي بعد أن أحرجت غزة العالم بأسره، ولا سيما العرب والمسلمين الذين هم أولياء الدم.
ويوضح سمور أن هذا الحضور يعكس الأدوار والعلاقات الدولية والإقليمية المتشابكة، في وقت أصبحت فيه فلسطين حاضرة في المجتمعات الغربية من خلال التظاهرات والاحتجاجات والمقاطعة والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويشير إلى أن الغياب عن القمة هو المستهجن، باستثناء إيران التي دُعيت، لكنها لم تحضر بسبب موقفها الرافض لوجود إسرائيل.
أما فيما يتعلق بمسار السلام، فيرى سمور أن ترمب يبالغ في الحديث عنه، ويطمح إلى جائزة نوبل للسلام، إلا أن هذه الاحتفالية ستنتهي سريعًا، فيما يبقى حل القضية الفلسطينية محكوماً بآليات تنفيذ ومحددات معلنة.
ويشير سمور إلى أن خطاب ترمب المليء بالمبالغة هدفه إنقاذ المشهد وإظهار نفسه كصانع سلام، رغم أن الواقع يثبت أن السلام ما زال بعيدًا.
ويلفت سمور إلى أن بعض الدول قد تندفع نحو التطبيع مع إسرائيل، ومنها إندونيسيا التي تُعد أكبر تجمع للمسلمين في العالم رغم أنها ليست دولة إسلامية دستوريًا.
ويوضح سمور أن موجة التطبيع باتت تواجه عراقيل بعد مقاطعة دول غربية لإسرائيل مثل إسبانيا وكولومبيا.
مقاربة تقوم على البراغماتية ومعادلة المصالح
تؤكد أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الكنيست، وما تبعه من كلمته في قمة شرم الشيخ، لا يعكس تحولاً حقيقياً نحو صناعة السلام، بقدر ما يمثل مقاربة تقوم على البراغماتية ومعادلة المصالح، بعيداً عن أسس العدالة والقانون الدولي.
وتشدد على أن أي حديث عن صناعة السلام لن يكون ذا جدوى إن لم يستند إلى حقوق الشعوب، وفي مقدمتها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
وتوضح عريقات أن الزخم الدبلوماسي والانخراط الدولي والإقليمي في المسار الحالي يحمل جانباً من الإيجابية، لكنه لا يكفي وحده لصناعة سلام دائم، إذ يتطلب وضوح المرجعيات وتوفير ضمانات تضمن الحقوق الأساسية.
وتشير عريقات إلى أن خطاب ترمب يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً إنسانياً وأمنياً واقتصادياً، متجاهلاً جوهرها السياسي، حيث لم يتطرق إلى الدولة الفلسطينية أو حل الدولتين أو حق تقرير المصير، وهو "خطر كبير" يحوّل القضية إلى صفقة عقار لا صفقة سلام.
وتشدد على أن "السلام الحقيقي يعني العدالة"، وأن استبدال الحقوق بمقايضات اقتصادية لن يقود إلا إلى إدارة أزمة جديدة لا إلى صناعة سلام دائم.
إعادة توجيه المسار الدبلوماسي نحو القانون الدولي
وتعتبر عريقات أن الدور المطلوب من الدبلوماسيتَين الفلسطينية والعربية هو إعادة توجيه هذا المسار نحو القانون الدولي، والتصدي لمحاولة استبدال جوهر الصراع بالخطاب الأمريكي الذي يركز على الإرهاب بدلاً من الاحتلال.
وتشير عريقات إلى أن الحضور الدولي المكثف في قمة شرم الشيخ يعكس إدراك العالم لخطورة المرحلة الراهنة، لكنه في الوقت ذاته يظهر عودة مصر كبوابة رئيسة لمسار السلام في المنطقة، مع إبراز أن الولايات المتحدة ما تزال اللاعب المقرر في مصائر الشعوب.
وتعتبر عريقات أن التعامل مع غزة كملف منفصل يمثل تهديداً لوحدة القضية الفلسطينية، مؤكدة أن أي مرحلة تفاوضية جديدة يجب أن تبدأ بوقف جريمة الإبادة ووقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى، وهذه ليست شروطاً تفاوضية، بل التزامات إنسانية وقانونية.
وتشدد عريقات على أهمية بناء إطار دولي حقيقي يستند إلى قرارات الأمم المتحدة ويضمن تنفيذ حل الدولتين، محذرة من تحويل غزة إلى "مختبر إنساني" بمعزل عن الضفة الغربية والقدس، ومؤكدة أن إنهاء الاحتلال وضمان السيادة الفعلية على الأرض هو الشرط الأساس لأي تسوية.
وتبدي عريقات قلقها من عدة مخاطر في المرحلة الحالية، أبرزها غياب ذكر الدولة الفلسطينية من الطروحات الأمريكية، واستمرار التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم أقلية تحت وصاية، وإعادة طرح القدس عاصمة لإسرائيل، معتبرة ذلك تجاوزاً خطيراً.
الوسطاء وقّعوا بدلاً من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي
وتلفت عريقات إلى تطور غير مسبوق في المفاوضات، حيث تولى الوسطاء –الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا– توقيع الاتفاقات بدلاً من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
ورغم ذلك، تعتبر عريقات أن هذا قد يفتح المجال لبناء آليات واضحة تشمل جدولاً زمنياً ومراقبة ومحاسبة، شريطة ألا يؤدي إلى تغييب المسؤولية القانونية عن إسرائيل في جرائم الإبادة.
وتؤكد عريقات أن ما يجري قد يفتح الباب أمام نظام دولي جديد يقوم على براغماتية المصالح، مشددة على أن الدور الفلسطيني يجب أن يركز على منع تحويل هذه البراغماتية إلى شرعية لتهميش الحقوق، بل إلى منصة لإعادة تكريس القانون الدولي والعدالة.
تأكيد الثوابت الأمريكية في حماية أمن إسرائيل
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، سواء في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي أو في كلمته خلال قمة شرم الشيخ، لا تعكس أي تحول حقيقي من إدارة السلام إلى صناعة السلام، بل جاءت لتؤكد الثوابت الأمريكية في حماية أمن إسرائيل وضمان تفوقها النوعي في المنطقة.
ويوضح أن خطاب ترمب أمام الكنيست كان مكرساً لطمأنة الإسرائيليين وتأكيد التزام الولايات المتحدة بحماية أمنهم، حيث شدد على نزع سلاح المقاومة في غزة ومنعها من تهديد إسرائيل، دون أن يتطرق إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو الجذور السياسية للصراع. ويؤكد رحال أن ما طرحه ترمب لم يصل حتى إلى مستوى "إدارة السلام"، التي يفترض أن توفر ظروفاً مناسبة للتفاوض، وتفكك الاشتباك، وتأتي بوسيط نزيه وضمانات دولية.
ويرى رحال أن واشنطن ما زالت بعيدة جداً عن أي صناعة سلام حقيقية في الشرق الأوسط، إذ تسعى لفرض "سلام أمريكي إسرائيلي" يخدم مصالح الاحتلال ولا يضمن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة.
وفيما يتعلق بالمرحلة الثانية من خطة ترمب المتعلقة بإنهاء الحرب على غزة، يشير رحال إلى أن هذا المسار مرهون بموقف الاحتلال الإسرائيلي ومدى التزامه ببنود الخطة، لكن رحال يستبعد أن يمارس الأمريكيون أي ضغط جدي على تل أبيب لتنفيذها.
ويعتبر رحال أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيعمل على عرقلة تنفيذ المرحلة الثانية بكافة الوسائل، سواء عبر افتعال الأزمات الأمنية أو عبر الاغتيالات والمماطلة والبيروقراطية، مستبعداً أن يلتزم الاحتلال بأي استحقاق دون ضمانات حقيقية، في ظل غياب طرف دولي قادر على كبح جماحه.
الحضور الدولي لإضفاء الشرعية على خطة ترمب
ويلفت رحال إلى أن الحضور الدولي في قمة شرم الشيخ جاء بالأساس لإضفاء صفة الشرعية على خطة ترمب ومنحها بعداً دولياً، إضافة إلى توزيع الأدوار وتقاسم المسؤوليات في ملف إعادة إعمار غزة.
ويوضح رحال أن الولايات المتحدة لا ترغب في تحمل أعباء الإعمار منفردة، وتسعى لإشراك الأوروبيين والدول العربية والإسلامية في هذه المهمة، غير أن الانقسام الأوروبي وضعف أدوات الضغط لدى بعض الدول المشاركة يجعلان من الصعب فرض التزامات واضحة على إسرائيل.
ويؤكد رحال أن ما يجري لا يعدو كونه إدارة أزمة جديدة وفق المقاسات الأمريكية والإسرائيلية، بعيداً عن أي حلول سياسية عادلة للفلسطينيين، وهو ما يرسخ استمرار الأزمة الفلسطينية دون معالجة لجذورها الأساسية.
وبحسب رحال، فإنه لأجل ذلك ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة عن صناعة السلام الحقيقي في الشرق الأوسط، وفق المفهوم الفلسطيني، إذ لا تزال رؤيتها للسلام تقوم على هندسة واقع الإقليم، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وبما يكفل أمن إسرائيل وتفوقها العسكري، بما يضمن هيمنتها على الإقليم وضمان استمرار وجودها.
محاولة انتقال من مرحلة "إدارة السلام" إلى "صناعته"
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التحرك الأمريكي الأخير يعكس محاولة انتقال من مرحلة "إدارة السلام" إلى "صناعته"، غير أن هذا التحول لا يزال في طور التجربة ولم يترسخ بعد.
ويوضح جودة أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة اكتفت عقوداً طويلة بسياسة "إدارة الصراع" عبر الإبقاء على التوازن القائم، وتخفيف التوترات بمفاوضات وتهدئات مؤقتة، دون السعي لفرض حلول جذرية أو إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في المنطقة.
ويشير إلى أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الكنيست الإسرائيلي شكّل خروجًا عن هذا النمط التقليدي، إذ قدّم نفسه كصانع للسلام وليس مجرد وسيط، متحدثًا بلغة الحسم وطارحًا ما يشبه "خارطة طريق" جديدة تتجاوز الرعاية التقليدية الأمريكية نحو هندسة سلام خاص بشروط واشنطن.
ويؤكد جودة أن خطاب ترمب ركّز على "نهاية الصراع" بدلاً من الاكتفاء بإدارته، وجاءت مخاطبته للإسرائيليين من داخل مؤسستهم التشريعية رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة ليست وسيطًا محايدًا، بل شريك فاعل في صياغة مستقبل المنطقة.
قمة شرم الشيخ.. ترجمة الخطاب إلى فعل سياسي
ويبيّن جودة أن قمة شرم الشيخ جاءت لترجمة الخطاب إلى فعل سياسي، حيث جمعت أطرافًا عربية ودولية بهدف إضفاء شرعية متعددة الأطراف على الرؤية الأمريكية الجديدة.
ويوضح جودة أن الهدف لم يكن إنهاء الحرب فقط، بل بناء نظام سياسي وأمني واقتصادي جديد في غزة، بما يعني الانتقال من إدارة نتائج الصراع إلى إعادة تشكيل بيئته بالكامل.
وفي قراءته لدلالات الحضور الدولي، يشير جودة إلى أربع نقاط رئيسية: إضفاء شرعية جماعية على المبادرة الأمريكية بحيث تبدو كإجماع دولي يصعب التنصل منه، وتوزيع المسؤوليات والأعباء إذ لا ترغب واشنطن في تحمل تكاليف إعادة الإعمار وضمان الأمن منفردة وتسعى لإشراك الأوروبيين والعرب، وإرسال رسالة توازن للمنطقة فوجود أطراف عربية وإسلامية يهدف إلى تخفيف المعارضة، وإظهار أن الخطة ليست منحازة بالكامل لإسرائيل، واختبار النوايا الدولية، إذ شكلت القمة ميدانًا عمليًا لقياس استعداد الأطراف للتمويل والمشاركة في إعادة الإعمار أو في قوة استقرار دولية.
وعن ملامح المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة، يوضح جودة أنها تقوم على أربعة محاور: أمنيًا، نشر قوة دولية أو عربية– إسلامية لضمان الاستقرار وتقليص الوجود الإسرائيلي تدريجيًا، وسياسيًا، إنشاء إدارة انتقالية فلسطينية من شخصيات تكنوقراط مقبولة دوليًا، بإشراف دولي وربما ضمن "مجلس سلام".
أما اقتصاديًا، فيشير جودة إلى إطلاق برنامج إعمار واسع بتمويل أمريكي– خليجي– أوروبي لخلق فرص عمل وتحسين البنية التحتية، بينما إقليميًا، بربط هذه الترتيبات بمسار أوسع يشمل التطبيع العربي– الإسرائيلي، واستئناف النقاش حول تسوية نهائية للقضية الفلسطينية.
ويرى جودة أن التحول الأمريكي يبدو حقيقيًا على مستوى النوايا وجزئيًا في التطبيق، فيما منح الحضور الدولي زخماً دبلوماسيًا للخطة لكنه لا يضمن نجاحها.
ويؤكد جودة أن المرحلة الثانية تبدو أقرب إلى إعادة بناء ما بعد الحرب أكثر من كونها تسوية سياسية نهائية، مشددًا على أن نجاح أي مبادرة يبقى مرهونًا بمدى تقبل الفلسطينيين لها، وبالتزام إسرائيل ببنودها على المدى الطويل.
مسرحية دراماتيكية لتمرير أجندات تخدم إسرائيل
يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن ما جرى في خطابي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، سواء في الكنيست الإسرائيلي أو في قمة شرم الشيخ، لا يمكن اعتباره خطوات سلام حقيقية، بل أقرب إلى مسرحية دراماتيكية تهدف إلى تمرير أجندات سياسية تخدم إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية.
ويوضح أن خطاب ترمب يمكن تحليله عبر أربع نقاط أساسية؛ الأولى "فرض السلام بالقوة"، حيث أكد ترمب هذا المصطلح مرارًا، لكنه لم يقصد سحب قوات الاحتلال من الأراضي الفلسطينية، وإنما إجبار الفلسطينيين على القبول بالأمر الواقع وتجريم أي مقاومة باعتبارها عملاً إرهابيًا.
أما النقطة الثانية وفق بشكار، فتتعلق بطبيعة السلام الذي يتحدث عنه ترمب وقيادة الاحتلال، وهو "السلام الإبراهيمي" الذي يعني التطبيع مع الدول العربية، دون أي اعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره أو إقامة دولته المستقلة.
أما النقطة الثالثة، بحسب بشكار، فهي أن ترمب أعلن بوضوح أن إسرائيل انتصرت في الحرب بفضل الأسلحة الأمريكية، وهو ما يعني أن على الفلسطينيين وداعميهم، بمن فيهم إيران وحزب الله، التسليم بالوقائع التي تفرضها إسرائيل. ويشير بشكار إلى أن النقطة الرابعة تمثلت بتكرار ترمب أن الدول العربية والإسلامية هي من سيتكفل بإعادة إعمار قطاع غزة، بتكلفة تتراوح بين 50 و65 مليار دولار، إلى جانب تجريد "حماس" من سلاحها لحماية أمن إسرائيل، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل أكثر من نصف مساحة القطاع.
وينتقد بشكار تغييب الطرف الفلسطيني عن مداولات قمة شرم الشيخ، إذ لم يُمنح الرئيس محمود عباس أي دور فعلي، بل كان حضوره شكليًا لا أكثر.
ويعتبر أن ما جرى في قمة شرم الشيخ يمثل تمريرًا لاتفاقات أبراهام بصيغة جديدة، مع القفز عن مبادرة السلام العربية لعام 2002 التي اشترطت الاعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية قبل أي تطبيع.
ويؤكد بشكار أن التعويل على ترمب أو الخطاب الأمريكي لتحقيق السلام في المنطقة العربية سيقود إلى خيبة أمل مؤكدة، مشددًا على أن ما حدث بعيد كليًا عن أي مسار حقيقي لصناعة السلام، ويكرس مقاربة أحادية تخدم مصالح إسرائيل وتهمش الحقوق الفلسطينية المشروعة.





שתף את דעתך
خطاب ترمب.. "السلام بالقوة" رؤية استعمارية متجددة