حرب غزة هزمت كلاً من المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي. أما الأول، فذاهبٌ للتفكك إن لم نتدارك ما نحن فيه. أما الثاني، فيتشكل من جديد. أما وحدة اللغة، فلقد سقطت من الداخل الفلسطيني والإسرائيلي، فوجدت فلسطينيين يتحدثون بلغة درعي، ورأيت يهوداً وصهاينة، بل من قادة المجتمع الإسرائيلي، يتحدثون عن الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، ويدافعون أكثر من عدد منا!
هذه الحرب مختلفة، كان الهدف ليس هزيمة قوى المقاومة والسلطة، بل تفكيك المجتمع وتهشيمه ودفعه للهجرة، فالهزيمة العسكرية التقليدية كانت وما زالت بعلم الحروب أن تكسر جيش عدوك، فيجلس إما مفاوضاً أو مستسلماً و/ أو متفقاً على حلول، هنا المعادلة كُسرت، وأصبحت المعركة على مكونات المجتمع وجعله بيئة طاردة لا حاضنة، أخطر ما شهدناه هو استخدام وسائل إعلام عربية ومأجورين فلسطينيين وعرب يتصدرون المشهد على فضائيات عربية، منهم من عهّر الحالة وساهم في تفكيك المجتمع، وحاول قتل كل قيمة فيه، ومنهم من بالغ في الصمود والتضحية لدرجة جعلت البعض يكفر بالمفهوم لا بالممارسة.
المجتمع الاخر كان صراعهم على القيم التي نشأت عليها "الدولة"، فذهب المجتمع إلى صدام داخلي، لكنه كان محميّاً، وتتم رعايته من كل العالم كي لا يسقط، وبقية وسائل الإعلام العبرية في أغلبها المطلق تحمل رواية واحدة وخطاً تحريرياً موحداً؛ إنها معركة وجود.
ما بعد الهزيمة، تظهر الارتدادات على شكل مواجهاتٍ مسلحة، وستُعزَّز هذه التداعيات كلما تقدمنا في مراحل تنفيذ خطة ترمب، وستذهب إلى تفاصيل إشكالية كإصدار جوازات سفر وشهادات ميلاد وشهادات جامعية ومدرسية وأموال في البنوك ومتطلبات صحية وحصر إرث وأمور أُخرى ستبدأ ولا تنتهي! أما بالضفة، فارتدادات الهزيمة بدأت تظهر في غياب فلسطيني رسمي عن أي اجتماعاتٍ أو تحضيراتٍ لليوم التالي، واستمرار الحصار المالي، ورفض التغيير حتى ياتي الأمريكي ويقول لمن يرغبون برحيله غادر وإلا! وأهم ارتدادات الهزيمة العملية ازديادٌ بالهجرة الطوعية، وبحثٌ عن الخلاص الهادئ في الأردن أولاً، ومن ثم الرحيل غالباً بلا عودة أو على أمل العودة!
الحرب أُوقفت لمنع التهجير ووقف المقتلة، والعرب والمسلمون أصروا على حماس بالموافقة، وعلى السلطة بدعم ذلك وعمل كل ما يُطلب منها حتى يوقفوا تمدد إسرائيل وانتقالها إلى حلم "إسرائيل الكبرى". نحن ببساطة دفعنا ثمن وقف التمدد المؤقت لإسرائيل على حساب مستقبل قضيتنا وأسرانا وعلى حساب استقلالنا الوطني المستحق.
المهم ماذا نحن فاعلون؟ ولن نفعل بالطبع، وسيأتي من هم غيرنا وسيفعلون أكثر مما نقترح.
1. ضرورة تشكيل تحالف فلسطيني-إسرائيلي-عالمي ممن حملوا القضية في هذه الحرب كي نحافظ على زخم الدعم الدولي، وهذا أمر يجب ألا نخاف منه ونبادر إليه، فمن قاد أسطول الحرية وحرّك المظاهرات في العالم قادر على إكمال المشوار، فكم من صهيوني ثبت أنه أشرف ممن ينطقون بلساننا، وكم من نشطاء أوروبيين ومن الأمريكيتين ومن كندا وأستراليا وإفريقيا وآسيا ومن العالم العربي والإسلامي أثبتوا أنهم قادرون على أن يحملوا القضية أكثر منا، لقد حان الوقت لإسدال الستار عن مفاهيم قديمة في التعامل مع الإسرائيلي، وتعريف النشطاء اليهود في العالم.
2. حان الوقت لأن تنشأ حركة مقاطعة لمن يتحدثون بلغتنا وساهموا بهزيمة مجتمعنا في هذه الحرب، توزاي حركة المقاطعة (BDS) كما حان الوقت لحركة المقاطعة أن تخرج من سياق الإطار السابق في تصنيفها للتعامل مع الإسرائيلي. حان الوقت للحركات الفلسطينية في الداخل أن تعيد تعريف علاقاتها مع الحركات المجتمعية في إسرائيل، ومع المنظمات اليهودية في العالم، فهم القادرون على فهم ديناميكية ما يجري في المجتمع الإسرائيلي والتعامل معه.
3. التغيير لن يحدث في المكونات القائمة فلسطينياً، نعرف أن النقابات والاتحادات والهيئات الأهلية والقطاع الخاص يقرأ الأمور من زاوية قد تجاوزتها الأحداث كما هم صناع القرار. المطلوب أن يبادر من يملك الوقت والإمكانية والقدرة على التحرك لبناء أوسع تحالف في المجتمعات على مستوى نقابات واتحادات ومجالس طلبة ومؤسسات مجتمع مدني وقطاع خاص وأساتذة جامعات ومراكز أبحاث وأعضاء برلمان ولوبيات، خاصة أن هناك نواة لكل ذلك في كل بقعة من بقاع العالم، فكما قادت السويد إسقاط نظام الفصل العنصري فقد يكون لإسبانيا دورٌ محوريّ من خلال النشطاء لبلورة إطار دولي جامع.
4. الحكومة الفلسطينية يقع على عاتقها التحضير لامتصاص آثار هزيمة المجتمع وتداعياتها عبر وضع خطط مرنة قابلة للتعديل والتصحيح، للتعامل مع سياق كامل من تعقيدات الحال الإنساني ورزمة الوثائق والاحتياجات المرافقة لعملية وقف إطلاق النار، كما عليها أن تستعد لاستمرار الحصار المالي، ونحن نعلم أن إمكانات الحكومة المالية والبشرية محدودة، ومن يدير وزاراتها في الغالب ليست لديهم خبرة سياساتية، وبشكلٍ خاص عدد من الوزراء، فلولا وجود موظفين مؤهلين لما استطاعت الوزارات المضي قدماً في تقديم الخدمات.
5. على اللجنة التي تعد الدستور أن تكون على مستوى المرحلة، وذلك بوضع دستور فلسطيني يسجل لها لا عليها، رغم تحفظنا القانوني على طريقة تشكيل اللجنة، فنأمل أن تكون على قدر من المسؤولية التاريخية، ونحن نعرف العديد منهم، ونثق بهمتهم وصدق جهودهم.
6. آن الأوان لإطلاق حملة دولية وضغط شامل لإعادة شروط الاعتقال لدى إسرائيل إلى ما قبل السابع من أكتوبر، لأن استمرار الشروط الحالية سيؤدي إلى استشهاد العديد من الأسرى.
هناك خطوات أُخرى لا نستطيع الكتابة عنها، لأنها ستثير غضب الكثيرين ممن يعتقدون أنهم يملكون رأس الحقيقة، وهم في الواقع من أسهموا فيما نحن فيه من بؤس وهزيمة لمجتمعٍ يافعٍ ومؤمنٍ بالحق والنصر الأكيد من عند الله.
א 12 אוק 2025 9:25 am - שעון ירושלים
حربٌ هزمت المجتمعَين وأسقطت كذبة وحدة اللغة والتاريخ المشترك!
المحامي صلاح الدين علي موسى





שתף את דעתך
حربٌ هزمت المجتمعَين وأسقطت كذبة وحدة اللغة والتاريخ المشترك!