د. جمال حرفوش: استمرار الخروقات اليومية يعني أن تل أبيب تريد إبقاء الأجواء قابلة للاشتعال بحيث تتيح لها التحرك عسكريًا متى شاءت
نزار نزال: نتنياهو يعتمد سياسة "المراحل" مع الملفات الكبرى ما يمنحه مرونة في التنصل والانتقال إلى مراحل أُخرى تحقق مكاسب سياسية
سليمان بشارات: إسرائيل ترى في الاتفاق "الفرصة الأخيرة" وما تستطيع تحقيقه الآن من مكاسب يفوق بكثير ما قد تحققه مستقبلاً
د. عقل صلاح: رفض الإفراج عن الأسرى القادة لا ينفصل عن حسابات إسرائيل وأمريكا في ما يتعلق بخلط أوراق البيت الفلسطيني
محمد أبو علان دراغمة: الخروقات الإسرائيلية مرشحة للتصعيد بعد إتمام المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ بإعادة المحتجزين الإسرائيليين
نهاد أبو غوش: نتنياهو وائتلافه اليميني لا يزالان يراهنان على استئناف القتال لتحقيق "النصر المطلق" مع استغلال الفجوات في الاتفاق
تواصل إسرائيل تنفيذ خروقات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار مع الاستعداد لتنفيذ المرحلة الأولى منه، شملت عمليات عسكرية محدودة واستهداف مناطق في قطاع غزة، بالتزامن مع اشتراط منع الإفراج عن القيادات الفلسطينية البارزة، مثل: مروان البرغوثي وأحمد سعدات، في سياسة تهدف لضرب استقرار الاتفاق، وضرب أي محاولة لترتيب البيت الفلسطيني من خلال القيادات المفترض الإفراج عنها.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن تل أبيب تستغل هذه الملفات للحفاظ على قدرة التحرك العسكري عند الحاجة، ولتوظيف ملف الأسرى كورقة ضغط سياسية واستراتيجية لإضعاف المقاومة الفلسطينية والبنية السياسية الوطنية. ورغم أن الاتفاق حقق بعض المكاسب، أبرزها وقف المقتلة وجرائم الإبادة المستمرة على مدار 24 شهراً، والتراجع عن مخطط التهجير، والإفراج عن 250 أسيراً محكوماً بالمؤبد، فإن الكتاب والمحللين يرون أن إسرائيل تستفيد من ثغرات جوهرية تتيح لها تعزيز سيطرتها، موضحين أن هذه الثغرات تشمل: استمرار الحصار، وغموض جدول انسحاب قوات الاحتلال، وفرض شروط تعجيزية للمرحلة التالية، واحتفاظها بآلاف الأسرى الفلسطينيين من مختلف الفئات، إضافة إلى وضع قطاع غزة تحت وصاية دولية وفصل سياسي وجغرافي بين غزة والضفة الغربية.
ويشيرون إلى أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي يعتمد سياسة "المراحل" للتنصل من الالتزامات والتلاعب بالوقت لتحقيق مكاسب سياسية إضافية، ما يثير مخاوف من استمرار التصعيد العسكري أو تكرار سيناريوهات شبيهة بما حدث في جنوب لبنان، مع فرض مناطق عازلة وسيطرة كاملة على دخول المواد وخروجها، بما فيها مواد إعادة الإعمار، مؤكدين أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة بناء الموقف الفلسطيني الموحد والحفاظ على ضغط عربي وإقليمي ودولي لضمان الانسحاب الكامل ورفع الحصار عن قطاع غزة، وبدء مسار جدي لإنهاء الاحتلال وحماية الحقوق الفلسطينية.
أبعاد قانونية وسياسية واستراتيجية متشابكة
يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن الخروقات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار، إلى جانب التعنت في ملف الأسرى ورفض الإفراج عن القيادات الوطنية البارزة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات، تحمل أبعاداً قانونية وسياسية واستراتيجية متشابكة، تعكس في مجملها غياب النية الحقيقية لدى إسرائيل للالتزام بأي اتفاق أو الانخراط في عملية سياسية جادة.
وبحسب حرفوش، فإن البعد القانوني لهذه الخروقات يتمثل في كونها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ولأحكام اتفاقيات جنيف الرابعة، التي تلزم قوة الاحتلال باحترام اتفاقات الهدنة وحماية المدنيين.
ويوضح حرفوش أن رفض إسرائيل إطلاق سراح الأسرى، الذين يُعد احتجازهم غير قانوني وفق قرارات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، يؤكد استمرارها في سياسة الاحتجاز التعسفي والتمييز العنصري.
ويعتبر حرفوش أن إسرائيل تتذرع دائمًا بمفهوم (الأمن) لتجاوز التزاماتها، بينما يُفرغ تنفيذ بنود الاتفاق بشكل انتقائي الاتفاقيات من مضمونها القانوني والإنساني.
وعلى المستوى السياسي، يوضح حرفوش أن رفض الإفراج عن شخصيات بارزة مثل البرغوثي وسعدات يكشف خشية إسرائيل من عودة رموز وطنية تمتلك شرعية جماهيرية وقدرة على توحيد الصف الفلسطيني.
ويشير إلى أن القيادة الإسرائيلية تتعامل مع ملف الأسرى باعتباره ورقة ضغط داخلية وخارجية، فيما يهدف التعنت في هذا الملف إلى تكريس الانقسام الفلسطيني وإضعاف البنية السياسية الوطنية، في مقابل تحسين شروط التفاوض في ملفات لاحقة مثل إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية.
أما البعد الاستراتيجي والأمني، فيرى حرفوش أن إسرائيل تسعى عبر هذه الخروقات إلى استعادة قوة الردع التي فقدتها، وتأكيد أنها لا تقبل بتوازن جديد للقوة.
ويؤكد حرفوش أن استمرار العمليات المحدودة والخروقات اليومية يعني أن تل أبيب تريد إبقاء الأجواء قابلة للاشتعال، بحيث تتيح لها التحرك عسكريًا متى شاءت، في رسالة مزدوجة، مفادها: لا التزام فعليّاً بوقف النار، ولا استعداد لتقديم تنازلات استراتيجية، خصوصًا في ملف الرموز الوطنية.
ثلاثة سيناريوهات رئيسية
وحول السيناريوهات المقبلة، يشير حرفوش إلى ثلاثة احتمالات رئيسية: سيناريو التصعيد المراقب، أي العودة إلى سياسة القصف المحدود والرد المحسوب للضغط النفسي والسياسي دون الدخول في حرب شاملة، وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير. أما الثاني، فهو سيناريو العودة للتفاوض المشروط، أي الدخول في جولة جديدة من المفاوضات برعاية دولية، ولكن وفق شروط إسرائيلية مشددة، مثل نزع قدرات المقاومة أو إدخال ترتيبات أمنية في غزة مقابل خطوات إنسانية محدودة. والثالث هو سيناريو الانفجار الشامل، أي فشل المساعي الدبلوماسية مع احتمال حدوث تصعيد واسع النطاق، خصوصًا إذا نفذت إسرائيل عمليات اغتيال أو اجتياحات جديدة، ما قد يفتح الباب أمام جولة حرب تمتد إلى الضفة الغربية، وربما الجبهة الشمالية.
وفي قراءته السياسية الأعمق، يوضح حرفوش أن إسرائيل تبدو اليوم محاصرة دبلوماسيًا، لكنها تحاول التعويض بالتصعيد العسكري، في حين أن المقاومة الفلسطينية باتت تملك رصيدًا سياسيًا ومعنويًا متناميًا بعد صمودها.
ويؤكد حرفوش أن أي جولة جديدة من المواجهة ستكون مختلفة في الوعي العربي والدولي، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشكل اختبارًا لإرادة المجتمع الدولي: إما أن يستمر في غض الطرف عن إسرائيل كقوة فوق القانون، أو يبدأ بفرض قواعد جديدة للمساءلة والمحاسبة.
محاولة للضغط لتقديم تنازلات
يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع، نزار نزال أن إسرائيل تسعى في المرحلة الراهنة إلى الحفاظ على هدوء نسبي من أجل إتمام عملية إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، لكنها في الوقت ذاته تواصل خروقاتها واستهدافها لمناطق شمال قطاع غزة، في محاولة للضغط على حركة "حماس" لتقديم تنازلات في ملف الأسرى الفلسطينيين.
ويوضح نزال أن حركة "حماس" متمسكة بالإفراج عن سبعة من أبرز القيادات الأسيرة في سجون الاحتلال، على رأسهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وعباس السيد وإبراهيم حامد وآخرون، مشيراً إلى أن هذه الأسماء تشكّل ما سماه "الثقل السياسي والوطني" الذي تخشى إسرائيل خروجه إلى الساحة الفلسطينية.
ويؤكد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قدّم وعوداً لوزراء متشددين مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير بعدم شمول هؤلاء في الصفقة.
رسالتان أساسيتان من الغارات
وبحسب نزال، فإن الغارات الإسرائيلية رغم الإعلان عن الاتفاق تحمل رسالتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالضغط المباشر على وفد "حماس" في القاهرة لإجباره على التوقيع على قائمة نهائية تخلو من القيادات البارزة، والثانية توجيه رسالة للداخل الإسرائيلي مفادها أن الجيش الإسرائيلي هو صاحب القرار الميداني، وأن ما يجري لا يعني نهاية الحرب بل تغييراً في شكلها وأدواتها.
ويشير نزال إلى أن نتنياهو يعتمد سياسة "المراحل" في التعامل مع الملفات الكبرى، ما يمنحه مرونة في التنصل من بعض الالتزامات والانتقال إلى مراحل أخرى تحقق مكاسب سياسية، فيما يشدد نزال على أن المرحلة الثانية من أي اتفاق محتمل ستواجه عقبات وألغاماً قد تعرقل تنفيذه.
ويؤكد نزال أن إسرائيل تسعى بعد انتهاء المرحلة الأولى من التبادل إلى إعادة تشكيل الصراع وفق احتياجاتها، عبر سيناريو شبيه بالنموذج اللبناني، يقوم على استهدافات دقيقة بناءً على معلومات استخبارية، مع تقليل تدخل القوات البرية، بما يبقي الصراع دائراً دون الوصول إلى تسوية نهائية.
ويرى نزال أن ما بعد المرحلة الأولى من الاتفاق وإتمام صفقة الأسرى سيحمل تحديات كبيرة، أبرزها ملف نزع سلاح حماس، وإشكالية من سيحكم غزة، خاصة أن فكرة فرض شخصيات دولية مثيرة للجدل مثل توني بلير على الواقع الفلسطيني أمر مرفوض.
تطويع الاتفاق بما يخدم الأهداف الإسرائيلية
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق الجاري بوصفه "اتفاق الفرصة الأخيرة"، معتبرة أن ما تستطيع تحقيقه الآن من مكاسب يفوق بكثير ما قد تحققه مستقبلاً، ولذلك تسعى إلى تطويع هذا الاتفاق بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.
ويوضح بشارات أن الهدف الأول لإسرائيل يتمثل في تقليل حجم عملية التبادل وتخفيض الثمن المدفوع مقابل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، عبر حصر الصفقة في أسرى فلسطينيين لا يمثلون رمزية سياسية أو قيادات بارزة في المقاومة.
ويعتبر بشارات أن هذا التوجه يهدف إلى إعادة صياغة معادلة "الأسرى مقابل الأسرى" بطريقة تُفرغها من بعدها السياسي والوطني.
أما الهدف الثاني، بحسب بشارات، فهو مرتبط بالبعد السياسي، إذ تدرك إسرائيل أن ما بعد هذه الحرب سيشكّل محطة فاصلة لرسم الرؤى السياسية المستقبلية، وتسعى في المقابل إلى إبقاء حالة الفراغ السياسي الفلسطيني وعدم السماح بخروج قيادات مقاومة من السجون لملء الفراغ الذي خلّفته الاغتيالات والحرب. ويوضح أن إسرائيل ترى أن أي بروز جديد لقيادات وطنية سيشكّل عبئاً على مشروعها السياسي، ومحاولة المقاومة الفلسطينية ملئ الفراغ، ولذلك فهي متمسكة بمنع الإفراج عنهم.
ويشير إلى أن البعد الثالث يتعلق بمفهوم القوة وفرض الميدان، حيث تسعى إسرائيل لتكريس نفسها كصاحبة القرار الميداني القادر على فرض الاتفاقيات أو التنصل منها بما يخدم مصالحها.
ويستشهد بشارات بتجربة لبنان حين لم تلتزم إسرائيل بالانسحاب بعد مرور المدة الزمنية المحددة، وحوّلت الملف إلى ورقة مساومة على سلاح حزب الله، معتبراً أن تل أبيب قد تلجأ إلى السيناريو نفسه مع ملف سلاح المقاومة الفلسطينية.
محاولة لإضعاف الخيارات الفلسطينية والعربية
ويؤكد بشارات أن إسرائيل، عبر خروقاتها، تحاول إضعاف الخيارات الفلسطينية والعربية، مستندة إلى الدعم الأمريكي الذي يمنحها الغطاء السياسي ويُبقيها اللاعب الأقوى في المعادلة الإقليمية.
ويشير إلى احتمال وجود توازنات بين المصالح الأمريكية والرغبة الإسرائيلية قد تحدّ من قدرة تل أبيب على تنفيذ كل ما تريده.
وبحسب بشارات، فإن المؤشرات الراهنة تظهر أن إسرائيل تمتلك القوة الكافية لفرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة بعد استلامها الأسرى الإسرائيليين، ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة والخروقات، لكن نجاحها في ذلك يبقى مرهوناً بتطورات المرحلة المقبلة والمتغيرات الإقليمية والدولية.
استراتيجية إسرائيلية للتنصل مستقبلًا من أي تفاهمات
يؤكد الكاتب والباحث السياسي د. عقل صلاح أن إسرائيل تعمل وفق نهج ثابت يقوم على عدم الالتزام بالاتفاقيات، والمماطلة في تنفيذ البنود المتفق عليها، وذلك بهدف تعويد الوسطاء وحركة "حماس" والشعب الفلسطيني على الخروقات الإسرائيلية باعتبارها أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا.
ويوضح صلاح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعمد منذ البداية تأجيل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، والتلاعب بتوقيته وساعاته، في محاولة لإرسال رسالة واضحة مفادها أنه لا التزام حقيقياً من جانب إسرائيل بما يتم التوصل إليه.
ويعتبر صلاح أن هذه السياسة جزء من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى التنصل مستقبلًا من أي تفاهمات، وإظهار أن الاتفاقات لا تعدو كونها أدوات مرحلية تخدم المصالح الإسرائيلية.
ويشير إلى أن جوهر الأزمة يكمن في قضية الأسرى الفلسطينيين، حيث ترفض إسرائيل دفع "فاتورة كبيرة"، تتمثل في الإفراج عن قادة كبار من ذوي الأحكام المؤبدة الذين تصفهم بـ"أصحاب الأيادي الملطخة بالدماء". ويبيّن صلاح أن صفقة الإفراج عن 20 رهينة إسرائيليًا مقابل 250 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم عشرة من القادة البارزين مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وحسن سلامة، تشكل معضلة بالنسبة لنتنياهو، لأنه يخشى أن يُنظر إليه داخل المجتمع الإسرائيلي وكأنه انهزم أمام المقاومة الفلسطينية.
ويرى صلاح أن هذا الرفض لا ينفصل عن حسابات إسرائيل والولايات المتحدة في ما يتعلق بخلط الأوراق المتعلقة بترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، فالإفراج عن قادة الفصائل يعني إعادة إنتاج وحدة وطنية فلسطينية حقيقية، وهو ما تخشاه تل أبيب وواشنطن، اللتان تريدان إبقاء الوضع الداخلي الفلسطيني تحت السيطرة الإسرائيلية. ويؤكد صلاح أن وجود هؤلاء القادة بين الشعب الفلسطيني من شأنه أن يؤثر بقوة على الساحة السياسية والتنظيمية ويعزز موقع المقاومة.
التحذير من أي تراجع في ملف الأسرى
ويحذّر من خطورة تراجع "حماس" أو قبولها بتنازلات، مشددًا على ضرورة تمسك الحركة بملف الإفراج عن جميع الأسرى المتفق عليهم، وعدم القبول بتجزئة القائمة أو استثناء بعض الأسماء.
وبحسب صلاح، فإن أي تراجع في هذا الملف سيُعد نكسة للشعب الفلسطيني، ويقضي على الفرصة الأخيرة للإفراج عن الأسرى القادة، الذين قد يواجهون خطر الموت داخل السجون الإسرائيلية.
ويلفت صلاح إلى أن نتنياهو يستخدم هذا الملف أيضًا كورقة سياسية داخلية لإرضاء اليمين الإسرائيلي المتطرف والجيش الإسرائيلي، عبر الادعاء بأنه لم يطلق سراح "رموز الإرهاب"، وأنه لا يزال بطلًا قوميًّا حافظ على المصالح الإسرائيلية.
ويؤكد صلاح أن ما يجري يعكس طبيعة إسرائيل "العدوانية" التي لا تحترم الاتفاقات، مشيرًا إلى أن التاريخ، بدءًا من اتفاقيات أوسلو وصولًا إلى اتفاق كانون الثاني/يناير الماضي، مليء بالأمثلة على الخروقات والتنصل.
ويرى صلاح أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من المماطلة والخداع من قبل نتنياهو، الذي يسعى للوصول إلى حلول تناسبه بضغوط أمريكية ووساطات دولية، وكل ذلك على حساب الحقوق الفلسطينية.
نهج ثابت في سياسة الاحتلال
يؤكد الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن الخروقات الإسرائيلية في المفاوضات ليست استثناء، بل تمثل نهجًا ثابتًا في سياسة الاحتلال، يتكرر عبر مختلف المراحل التاريخية، بدءًا من اتفاقيات أوسلو وحتى الاتفاقات الجارية اليوم بشأن وقف الحرب على قطاع غزة.
ويوضح دراغمة أن تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مليء بالأمثلة على عدم التزام إسرائيل بتعهداتها، مشيرًا إلى أن اتفاقية أوسلو، التي وُقّعت على أساس أن تكون فترة انتقالية تمهيدًا لحل الدولتين، أُلغيت عمليًا من جانب إسرائيل التي قلبت الطاولة على الفلسطينيين وفرضت وقائع ميدانية تخالف جوهر الاتفاق.
ويشير دراغمة إلى أن هذا النمط من التعامل تجلى أيضًا في اتفاق الخليل، حيث كان من المفترض أن تتسلم السلطة الفلسطينية إدارة المدينة، غير أن الاحتلال لم ينفذ التزاماته وأبقى الوضع كما هو.
ويلفت دراغمة إلى أن ملف المسجد الأقصى خير مثال على انهيار مفهوم "الوضع القائم"، بعد سلسلة طويلة من الإجراءات الإسرائيلية المخالفة للتفاهمات.
وبحسب دراغمة، فإن هذا السلوك مرشح للتصعيد بعد إتمام المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ المتعلق بوقف الحرب على غزة وذلك عقب إعادة المحتجزين الإسرائيليين، حيث قد تلتزم إسرائيل فقط بالشق المتعلق باستعادة الأسرى، ثم تبدأ بالخروقات المتوقعة. ويوضح دراغمة أن تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعكس نية واضحة لمواصلة الحرب بأشكال مختلفة، إذ أكد في تصريح له بعد المصادقة على الاتفاق أن إسرائيل تحاصر حركة "حماس" من كل الاتجاهات، وأن ما لم يتحقق بالطرق السهلة سيُنتزع بالطرق الصعبة.
نتنياهو لا يزال متمسكًا بأهداف الحرب الخمسة
ويشير دراغمة إلى أن نتنياهو لا يزال متمسكًا بأهداف الحرب الخمسة التي أقرها الكابينت، والتي ترفضها حركة حماس، وهو ما يجعل المراحل التالية من خطة ترامب لوقف الحرب مليئة بـ"الألغام"، مثل نزع سلاح "حماس" وغزة، وتحديد من سيحكم القطاع، وترحيل قيادات الحركة، إضافة إلى "الانتداب البريطاني–الأمريكي الجديد على غزة"، وهي كلها شروط لا يمكن أن تقبل بها الحركة.
ويوضح دراغمة أن أمام حماس خيارين: إما القبول بالشروط الإسرائيلية التي تعني عمليًا الاستسلام وهو مستبعد، أو مواجهة سيناريوهات جديدة على الأرض، أبرزها أن تتعامل إسرائيل مع غزة كما تفعل في جنوب لبنان، حيث وُقّع اتفاق وقف إطلاق نار، لكن الاحتلال ينفذ يوميًا عمليات قصف واغتيالات تجاوزت 100 عملية منذ توقيع الاتفاق.
ويشير دراغمة إلى أنه في هذا السياق، قد تلجأ إسرائيل لتبرير أي قصف على غزة بذريعة منع إعادة تأهيل القدرات العسكرية لـ"حماس" أو إحباط عمليات ضد جيشها، إلى جانب الترويج لفكرة "المناطق العازلة" كما هو قائم على الحدود اللبنانية.
أما السيناريو الثاني، وفق دراغمة، فهو استنساخ ما يجري في الضفة الغربية، حيث يتمركز الجيش الإسرائيلي في مناطق (ج) وينفذ عمليات اقتحام واغتيالات بشكل متواصل لكافة المناطق، وهذا قد يُطبق في غزة عبر تمركز قوات الاحتلال على الحدود، ثم تنفيذ عمليات اقتحام أو قصف جوي متكرر.
ويلفت إلى أن تصريحات نتنياهو قبل الاتفاق تضمنت التزامًا أمام شركائه في اليمين المتطرف، خصوصًا إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بعدم الإفراج عن من سماهم "رموز الإرهاب"، وعلى رأسهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعباس السيد، وهو ما يضع ملف الأسرى الفلسطينيين في قلب الخروقات المتوقعة.
ويشير دراغمة إلى ما نقلته قناة "كان" العبرية عن مصدر فلسطيني مطلع على المفاوضات، بأن المرحلة الثانية من خطة ترمب "غامضة تمامًا"، إذ ترك الوسطاء لكل طرف أن يفسرها بالطريقة التي يريد، ما يعزز القلق بشأن ما هو قادم.
ثغرات خطيرة في الاتفاق
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع رفض الإفراج عن القيادات الفلسطينية البارزة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات، تكشف معاني ودلالات أعمق تتعلق بطبيعة الاتفاق الأخير وبالاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل معه.
ويوضح أبو غوش أن الاتفاق تضمّن إنجازات لا يمكن التقليل من أهميتها، أبرزها وقف المقتلة وجرائم الإبادة التي استمرت على مدار 24 شهراً، إضافة إلى التراجع عن مخطط التهجير والنص على انسحاب إسرائيلي من القطاع، وإن كان انسحاباً تدريجياً يفتح الباب لتفسيرات إسرائيلية منحازة.
ويعتبر أبو غوش أن الإفراج عن 250 أسيراً محكوماً بالمؤبد يعد مكسباً معنوياً للشعب الفلسطيني.
لكن في المقابل، يرى أبو غوش أن الاتفاق يحتوي على ثغرات خطيرة، أهمها بقاء الحصار الإسرائيلي، وعدم تحديد سقف زمني للانسحاب التدريجي، واشتراطات إسرائيلية تعجيزية للانتقال بين المراحل، إضافة إلى الفيتو المفروض على إطلاق سراح أسرى الداخل والقيادات البارزة.
ويلفت أبو غوش إلى احتفاظ إسرائيل بآلاف الأسرى الفلسطينيين من مختلف الفئات، بينهم مقاتلون وأطباء وعناصر مدنية، إلى جانب وضع غزة تحت وصاية دولية غامضة الصلاحيات وتنفيذ الفصل السياسي والجغرافي بين غزة وبين الضفة الغربية.
ويبيّن أبو غوش أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وافق على الاتفاق مضطراً وتحت ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنه أدخل تعديلات مسبقة شكّلت "ألغاماً سياسية" يمكن تفجيرها في أي وقت.
ويؤكد أن المرحلة الأولى من الاتفاق منحت إسرائيل ما تريده سريعاً، فيما تركت المطالب الفلسطينية كوعود غامضة مشروطة بتفسيرات خاضعة بالكامل للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة اتفاق أوسلو وما تلاه من عقود من المراوغة.
زخم دولي وإقليمي ضاغط لتنفيذ الاتفاق
ويشير أبو غوش إلى وجود زخم دولي وإقليمي ضاغط لتنفيذ الاتفاق، تدعمه رغبة المجتمع الدولي بإنهاء الحرب وأزمات إسرائيل الداخلية وعزلتها الخارجية المتنامية.
ويشدّد أبو غوش على أن نتنياهو وائتلافه اليميني لا يزالان يراهنان على استئناف القتال لتحقيق "النصر المطلق".
ويحذر أبو غوش من أن إسرائيل ستواصل استغلال الفجوات في الاتفاق عبر فرض مناطق عازلة، والسيطرة على محور رفح، والتحكم الكامل في دخول مواد إعادة الإعمار.
ويدعو أبو غوش إلى إعادة بناء الموقف الفلسطيني الموحد والحفاظ على ضغط عربي وإسلامي ودولي يضمن الانسحاب الكامل ورفع الحصار، وصولاً إلى مسار جدي لحل القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال.





שתף את דעתך
خروقات الاتفاق.. محاولة لخلط الأوراق وتعويض العزلة