ש 11 אוק 2025 9:15 am - שעון ירושלים

الذكاء الاصطناعي التوليدي في الكتابة الأكاديمية: قلمٌ ذكيّ وجب ضبطه

علي شقور

تشهد الساحة الأكاديمية تحولًا عميقًا في مفهوم الكتابة العلمية بعد ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي تجاوز حدود الأتمتة التقليدية ليصبح شريكًا جديدًا في إنتاج المعرفة وصياغتها. فقد دخل هذا "القلم الذكي"، المتمثل في نماذج اللغة الكبيرة مثل ChatGPT، إلى مكاتب الباحثين وأروقة الجامعات بسرعةٍ فاقت التوقعات، مثيرًا جدلًا واسعًا بين من يراه أداةً للإبداع والتيسير، ومن يحذّر من أن في سطوعه بريقًا يخفي في طيّاته ظلالًا من المغالطات والهلوسات التي تهدد مصداقية البحث العلمي. لم تعد المسألة تتعلق بقدرة هذه النماذج على توليد نصوص منمقة الأسلوب، بل في مدى أصالتها وصحتها العلمية، إذ إن الذكاء الاصطناعي لا "يفهم" الحقيقة بقدر ما يتنبأ بالكلمات التي يُرجَّح أن تأتي تتابعًا في السياق، مما يجعله قادرًا على إنتاج نصوص تبدو مقنعة شكلًا، لكنها قد تكون مضللة مضمونًا.

لقد وثّقت دراسات علمية متخصصة في الطب والعلوم الاجتماعية حالات متعددة لظاهرة "الهلوسة"؛ أي اختلاق تفاصيل ومراجع غير موجودة تظهر للوهلة الأولى واقعية ومبنية على مصادر علمية، لكنها في الحقيقة ناتجة عن التنبؤ اللغوي وليس عن استنادٍ إلى قاعدة معرفية. وقد حذّرت مؤسسات بحثية ومحررون أكاديميون من مغبة قبول هذه المخرجات دون تحققٍ دقيق، إذ يمكن أن تتسلل المراجع الوهمية إلى الأعمال البحثية فتشوّه المنهجية وتضعف الثقة بالمخرجات العلمية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الأدوات أحدثت نقلة نوعية في تمكين الباحثين من تجاوز بعض العقبات، خاصة في مجال الصياغة اللغوية وتحسين جودة العرض الأكاديمي، إذ يرى كثيرون أن قدرتها على توليد الأفكار وصقل اللغة تجعلها معينًا ثريًا للباحثين، لا سيما لغير الناطقين بالإنجليزية الذين يجدون فيها جسرًا للتعبير الأكاديمي الواضح. هذا الاستخدام المشروع، متى ما خضع للتدقيق البشري، يمكن أن يُسهم في رفع جودة الكتابة الأكاديمية دون المساس بجوهر المعرفة.

لقد تعددت المواقف الأكاديمية تجاه هذه الثورة التقنية؛ فبين الحذر المشوب بالريبة والحماس الممزوج بالأمل، تشكلت قناعة وسطية تنظر إلى هذا "القلم الذكي" باعتباره محررًا مساعدًا لا مؤلفًا بديلًا، يضيف إلى النص جمالًا لغويًا وتنظيمًا منطقيًا، لكنه لا يضطلع بمسؤولية الفكرة أو صدقها. وقد أكدت هيئات نشر عالمية أن الأدوات التوليدية تفتقر إلى الأهلية القانونية والأخلاقية لتحمّل المسؤولية، وأن الإفصاح الصريح عن استخدامها واجبٌ على كل باحث، مع بقاء المسؤولية النهائية في يد الباحث الإنسان. هذا التوجه يضع حدًا فاصلاً بين الإبداع الموجّه والمغالطة المضللة، ويؤكد أن جوهر العلم لا يصاغ بالخوارزمية، بل بالعقل الناقد الذي يتحقق ويوازن.

وتتسع منظومة الضبط الأخلاقي لتشمل هيئاتٍ عديدة مثل مجلس محرري العلوم (CSE) والرابطة الدولية للناشرين في العلوم والتقنية والطب (STM)، اللتين شدّدتا على ضرورة التوثيق الصريح لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والشفافية في الكتابة البحثية. إن هذا الإجماع الدولي يعكس إدراكًا متناميًا بأن الذكاء الاصطناعي بات واقعًا لا يمكن تجاهله، وأن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الأداة ذاتها، بل في طريقة إدارتها داخل منظومة البحث العلمي.

ويبدو أن التجربة العربية مع الذكاء الاصطناعي التوليدي تحمل خصوصيتها، إذ يواجه الباحث العربي تحديات لغوية وثقافية تجعل الحاجة إلى أدوات مساعدة في الكتابة العلمية أكثر إلحاحًا. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون وسيلة لتوضيح الأفكار وتنظيمها وصياغتها بلغةٍ أكاديمية راقية، لكنه قد يتحول إلى عبء إن أُسيء استخدامه دون تحقق أو تدقيق. تخيّل باحثًا يعهد إلى الأداة بتلخيص الدراسات وتحديد المراجع، فيكتشف لاحقًا أن ما كُتب من وحي التخمين وليس من سجل المعرفة الموثوقة. لذلك، لا يمكن الحديث عن جدوى الذكاء الاصطناعي التوليدي دون الإشارة إلى ضرورة بناء ثقافة مؤسسية تنظّم استخدامه، عبر سياسات واضحة في الجامعات ومراكز البحث تشترط الإفصاح عن الأداة المستخدمة وإصدارها وإعداداتها، وإرفاق ملحقٍ يوضح أثر الذكاء الاصطناعي في مراحل الكتابة، مع وضع نظام للتحقق من المراجع وضبط دقتها في قواعد البيانات الرسمية.

إن التجارب العلمية الحديثة أظهرت أن الاستخدام المنضبط للذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع جودة النصوص البحثية ويحسّن وضوحها دون المساس بجوهرها، متى ما رافقه وعيٌ نقديٌّ ومسؤولية بشرية في المراجعة والتوثيق. إن "القلم الذكي" قادر على الإبداع في الصياغة، لكنه لا يستطيع أن يبدع في الفكرة ما لم يوجّهه عقل إنساني يزن المعنى ويختبر المضمون. لذا، فالمسؤولية الأخلاقية والمنهجية تبقى في النهاية في يد الباحث الذي يقرر كيف يوظف هذه التقنية: هل يجعلها امتدادًا لوعيه، أم بديلاً عن جهده؟

لقد أسهمت الهيئات الدولية الكبرى، مثل اللجنة المعنية بأخلاقيات النشر العلمي COPE واللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية ICMJE والرابطة العالمية لمحرري المجلات الطبية WAME ومجلس محرري العلوم CSE والرابطة الدولية للناشرين في العلوم والتقنية والطب STM، وغيرها الكثير، في ترسيخ منظومة أخلاقية عالمية جديدة تضبط علاقة الباحثين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد وحّدت هذه الهيئات مواقفها حول مبدأين أساسيين: أولهما أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُعدّ مؤلفًا أو باحثًا، وثانيهما أن الإفصاح الصريح عن استخدامه شرطٌ أخلاقي غير قابل للتفاوض. ومن خلال أدلتها ومدونات السلوك التي تبنتها المجلات والناشرون، وُضعت اللبنات الأولى لبناء ثقافة بحثية مسؤولة توازن بين الإبداع البشري والاستفادة التقنية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة لأن تتكاتف الجامعات الفلسطينية، ومجالس البحث العلمي، ومؤسسات التعليم العالي، والمجلات المحلية، على الرغم من وجود محاولات فردية من قبل بعضها، لصياغة دليل وطني ناظم يضبط الاستخدام الأخلاقي والمعقول للذكاء الاصطناعي في البحث والكتابة الأكاديمية. إن وجود مثل هذه الوثيقة الفلسطينية سيسهم في حماية النزاهة العلمية، وتوحيد الممارسات التحريرية، وتعزيز الثقة بنتاج الباحث الفلسطيني في المحافل الدولية، بحيث يكون هذا الجهد نموذجًا عربيًا يُحتذى به في التعامل الرشيد مع الثورة الرقمية والمعرفية.

תגים

שתף את דעתך

الذكاء الاصطناعي التوليدي في الكتابة الأكاديمية: قلمٌ ذكيّ وجب ضبطه

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.