منذ لحظة دخوله البيت الأبيض، حرص دونالد ترمب على لعب دور "صانع السلام العالمي"، وهو الدور الذي لم يتوانَ عن توظيفه سياسيًا وإعلاميًا. لكن هذا الطموح اصطدم بجدار صلب تمثله شخصية رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي بات يُنظر إليه — حتى في أروقة واشنطن — على أنه عقبة أمام تثبيت أي مسار تسوية في غزة.
وبعد ما يقرب من تسعة أشهر من توليه الرئاسة، يبدو أن ترمب قرر تغيير نهجه تجاه إسرائيل. فخلافًا لفترة الغزل السياسي التي ميزت علاقته بنتنياهو في السابق، تشير التطورات الأخيرة إلى تحولٍ واضح في المواقف، تمثل باستخدامه نفوذه — للمرة الأولى — للضغط الجاد على حليفه الإسرائيلي من أجل القبول بخطة لوقف إطلاق النار، وإنهاء عامين من الحرب المستمرة على قطاع غزة المنكوب.
صفقة أولية… بضغط مباشر من البيت الأبيض
في 3 تشرين الأول، أعلنت حركة حماس قبولها الجزئي لبنود خطة سلام اقترحتها الإدارة الأميركية، فيما وافقت إسرائيل على المرحلة الأولى من المبادرة، والتي تشمل تبادلًا للأسرى، ووقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، وانسحابًا جزئيًا من قطاع غزة. ورغم الغموض المحيط بالضمانات الأميركية الممنوحة للطرفين، إلا أن هذه الخطوة مثّلت، وفقًا لمصادر مطلعة، تحولًا في موقف واشنطن من مجرد وسيط إلى لاعب مباشر في رسم مسار التفاوض.
غير أن هذا الاتفاق لا يخلو من الهشاشة، إذ تعود الأذهان إلى تجربة مماثلة في كانون الأول الماضي الماضي، عندما وافق نتنياهو على هدنة مؤقتة، ثم تراجع لاحقًا عن استكمال مراحلها، مستأنفًا حرب الإبادة بعد أقل من شهرين ( 19كانون الثاني-18 آذار). ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام تل أبيب هذه المرة، في حال تعثرت المفاوضات بشأن المرحلة الثانية.
حسابات سياسية… ومصالح شخصية
تحرك ترمب الأخير لا يخلو من دوافع داخلية. فالرئيس الأميركي، الذي يواجه قضايا قانونية متعددة في بلاده، بات يبحث عن إنجاز خارجي يعزز صورته كرجل دولة. وبالنسبة له، فإن اتفاقًا يحمل اسمه ويضع حدًا للحرب في غزة قد يشكل فرصة سياسية ذهبية.
في المقابل، يتهم كثيرون نتنياهو باستغلال استمرار الحرب لأغراض سياسية محلية، من بينها تأجيل الانتخابات، وعرقلة تحقيقات بشأن الإخفاقات الأمنية في هجوم حماس عام 2023، إلى جانب تأخير محاكمته في قضايا فساد.
الهجوم على الدوحة: نقطة التحول في العلاقات
الشرخ في العلاقة بين ترامب ونتنياهو بدأ يتسع مع هجوم إسرائيلي في 9 أيلول على العاصمة القطرية، الذي استهدف قادة بارزين في حماس خلال محادثات مع وسطاء عرب وأميركيين. الهجوم، الذي نجا منه المسؤولون المستهدفون، أثار استياءً عارمًا لدى حلفاء واشنطن في الخليج، وعلى رأسهم قطر والسعودية والإمارات — الدول الثلاث التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واستثمارية وثيقة مع عائلة ترمب ومشاريعه العقارية.
وبعد أسبوعين فقط من الحادث، أطلقت الإدارة الأميركية مبادرة سلام جديدة من 21 بندًا، تضمنت بنودًا شاملة تشمل التهدئة، وتبادل الأسرى، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، وتأسيس حكومة انتقالية بإشراف دولي، في خطوة نادرة تمثل فيها واشنطن مركز الثقل السياسي والتنفيذي.
نتنياهو يعدّل الخطة: تنازلات شكلية أم التفاف سياسي؟
لكن الخطة الأميركية لم تمر كما رسمتها واشنطن ، حيث تمكن نتنياهو من إدخال تعديلات جوهرية على بنود المبادرة، خصوصًا ما يتعلق بتوقيت انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومتطلبات نزع سلاح حماس، والسيطرة على ما وصفه بـ"المحيط الأمني" داخل غزة.
هذه التعديلات، التي قبلها البيت الأبيض على مضض، أضعفت الطابع الحاسم للمبادرة، وأثارت قلق الوسطاء العرب من أن تتحول الهدنة إلى مجرد إعادة تموضع عسكري إسرائيلي، لا إلى إنهاء فعلي للحرب.
الرد الحذر من حماس: قبول مشروط أم مناورة تفاوضية؟
من جانبها، لم ترفض حركة حماس الخطة المعدلة، لكنها لم تمنحها موافقة كاملة. وأصدرت بيانًا أعربت فيه عن قبولها لبعض البنود، مع المطالبة بتوضيح بعض البنود، وبمفاوضات إضافية لتعديل نقاط أخرى، خصوصًا تلك المتعلقة بمستقبل دورها السياسي ونزع سلاحها الكامل.
رغم ذلك، اختار ترمب اعتبار رد حماس خطوة إيجابية، واستغل الموقف للضغط على نتنياهو، وفقًا لما ذكره موقع Axios، الذي أفاد بأن مكالمة غاضبة جرت بين الرجلين، صرخ فيها ترامب قائلًا: "لا أعرف لماذا أنت سلبي دائمًا. هذه صفقة رابحة. خذها".
هل ينجح ترامب في "كبح" نتنياهو؟
المفارقة أن ترمب، الذي رفض لسنوات استخدام نفوذه السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الهائل على إسرائيل، بات اليوم مضطرًا للقيام بذلك، ربما لإنقاذ إرث سياسي باسم "اتفاق سلام ترمب".
لكن نجاح هذا الاتفاق يتوقف إلى حد كبير على مدى استعداده لمواصلة الضغط على نتنياهو، الذي يمتلك سجلًا طويلًا في تفخيخ المفاوضات، وإفراغ المبادرات من مضمونها. ففي آذار الماضي، خرق وقف إطلاق النار بعد أيام من إعلانه، وأعاد إشعال الحرب، متحديًا الانتقادات الدولية والعزلة السياسية.
واليوم، مع أكثر من 67 ألف قتيل فلسطيني وحالة مجاعة واسعة النطاق في غزة، ودمار شبه كامل، يبدو أن كثيرًا من الفاعلين الإقليميين والدوليين فقدوا الثقة في قدرة نتنياهو على الالتزام بأي مسار سلام حقيقي.
خلاصة المشهد: تقاطع المصالح على أرض ملتهبة
ما يجري ليس مجرد مفاوضات حول وقف إطلاق نار، بل صراع على من يمسك بمفتاح القرار في الشرق الأوسط. ترمب يسعى لتسجيل "نصر سياسي" يعزز صورته داخليًا. ونتنياهو يقاتل للبقاء في السلطة بأي ثمن. وبينهما، تُستخدم غزة كساحة اختبار للإرادات المتصارعة.
الأسابيع المقبلة ستحدد إن كان الضغط الأميركي سيثمر عن هدنة مستدامة، أم أن مصير المبادرة الجديدة سيكون كسابقاتها: وعود على الورق… تنسفها رصاصة واحدة.





שתף את דעתך
ترمب ونتنياهو: من التحالف الوثيق إلى صراع الإرادات في ملف غزة