منذ سنوات كان خبر الاستشهاد في الضفة يرتبط مباشرة بجيش الاحتلال، أما اليوم فإن عبارة استشهد برصاص المستوطنين باتت تتكرر وكأنها أمر عادي، هذا ليس تبدلا لغويا فحسب، بل تحول بنيوي في إدارة الاحتلال، الاحتلال يدفع بالمستوطن الى مقدمة المشهد، ويحتفظ بالقرار والسيطرة من الخلف، فيجمع بين كلفة اقل وصورة قانونية مراوغة، وهكذا يتحول المستوطن من ساكن مسلح، الى ذراع تنفيذي ميداني، بينما يقوم جيش الاحتلال بالحماية وتأمين الانسحاب المنظم بعد الجريمة.
منذ السابع من أكتوبر استشهد اربعة عشر فلسطينيا برصاص المستوطنين، الرقم بذاته ليس مجرد احصاء، بل دلالة على دينامية جديدة تقوم على نقل نقاط الاحتكاك من مدخل المعسكر الى مدخل القرية، ومن الحاجز الى فتحة الجدار والمراعي، فحين يحمل المستوطن السلاح ويتصرف بلا رادع، فان كل حقل وطريق وكل بيت على أطراف القرى يصبح ساحة مفتوحة ومسرحا للجريمة، عندها يغيب الخط الفاصل بين ما هو عسكري وما هو "مدني"، وتصبح يوميات الفلسطيني ساحة للاقتحام، ومسرحا بنكهة الانتقام.
جذر هذه الظاهرة يعود الى تراكب ثلاث طبقات، الاولى طبقة جغرافية بفعل الجغرافيا المجزأة والطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية التي صارت مستوطنات امر واقع، الامر الذي يضاعف نقاط الاحتكاك حول القرى وعلى الشوارع وفي المزارع، الثانية طبقة سياسية قوامها خطاب رسمي يميني متطرف، يمنح المستوطن احساسا بالتفويض، فيرى نفسه شريكا في ادارة الأرض، لا مغتصبا لها، والثالثة طبقة قانونية تعمل على صناعة مسافة شكلية بين دولة الاحتلال وجرائم المستوطنين، فتبدو كما لو كانت حادثا منفردا لا سياسة عامة.
هذا التحول يضرب نسيج الضفة من الداخل، فمع كل هجوم على قرية او مركبة او إطلاق نار على مزارع، يتسع شعور عام بانعدام الامن، وتراجع الثقة بقدرة المؤسسات المحلية على الردع، فيقترب الفلسطيني من منطق وجوب الحماية الذاتية، وهكذا تتشكل حلقة خطرة جدا؛ خوف عام يولد عزلة مكانية واجتماعية، تغري المعتدي بالمزيد، فتتسع دائرة الاستهداف، فتصبح القرية الواحدة جزر مقطعة، ومع الوقت يتبلد وعي الناس تجاه الجريمة، ويتحول الدم الى سطر بارد في موجز الاخبار، وهذا هو "الانتصار" الحقيقي للمشروع الاستيطاني قبل اي انتصار ميداني.
تداعيات هذا المسار مستقبلية بقدر ما هي آنية، فاستمرار خصخصة العنف سيقود الى تلاشي ما تبقى من مساحات تعتبر آمنة، وسيزيد من قابلية الانفجار على شكل موجات مقاومة متفرقة، او صيغ تضامن محلي غير منظم، كما سيعمق ازمة المعيشة في اقتصاد ريفي يقوم على الارض والحركة والعمل المؤسسي، فكل يوم اغلاق او مهاجمة للمزارعين، ما يعني تراجعا في الدخل، وقدرة اقل على البقاء في المكان.
الرد يحتاج الى رزمة ادوات مترابطة لا بيان ادانة، توثيق مهني وممنهج لكل حادثة مع خرائط وصور ووقت ومكان وشهود، لبناء ملف واحد جامع يصلح للمرافعة القانونية والاعلامية، فالتوثيق هو الشرط الاول لكسر افلات الجاني من العقاب، وبناء شبكات انذار مجتمعية في القرى الاكثر تعرضا، تعتمد الاتصال اللحظي والتدريب على التعامل مع الاخطار، وتنسق بين الحراس الليليين والاسعاف والمتطوعين، وشراكات حقوقية واعلامية عابرة للمناطق لنقل كل حالة الى المنابر الدولية بشكل لحظي، فالتعتيم هو الحليف الطبيعي لاستمرار الجريمة، ومبادرات حماية مدنية قليلة الكلفة تعتمد الكاميرات الثابتة والمحمولة والاضاءة العالية والتموضع الجماعي في نقاط الاحتكاك الحساسة، او عند مواسم الزراعة والحصاد، وتحويل القرى المحيطة بجيوب الاستيطان الى مراكز لدعم الصمود الاقتصادي عبر الدعم المباشر للإنتاج الريفي، وتوفير التأمين على المحاصيل، وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة سريعا، لان البقاء في المكان هو الهدف الذي يسعى هذا الإجرام الى كسره.
وبالتالي، فان ما يجري ليس طارئا، بل سياسة طويلة الأمد تهدف الى تفريغ الارض وتطبيع الخوف، وكسر هذه السياسة ممكن حين نرفض اعتياد الخبر والمشهد، ونبني بالمقابل منظومة حماية قانونية ومجتمعية واعلامية واقتصادية تجعل ثمن الاعتداء اعلى، وخسائره اقل، وتعيد تعريف القرية لا كضحية تنتظر الرصاصة المقبلة، بل كفاعل منظم يثبت بقاءه في المكان مهما تبدلت ادوات القتل.





שתף את דעתך
استشهد برصاص المستوطنين...