د. دلال عريقات: جميع الحروب مهما طال أمدها تنتهي على طاولة المفاوضات.. والتفاوض أداة لتحقيق الأهداف لا هدف بحد ذاته
خليل شاهين: لسنا بحاجة لجلد الذات بل لاستخلاص الدروس وتوحيد الصف لأن النهوض من تحت الركام يتطلب استراتيجية شاملة للتغيير
د. رائد أبو بدوية: البطولة حين تنفصل عن السياسة تتحول إلى مأساة وغياب الرؤية الوطنية الموحدة يجعل التضحيات عرضة للتبديد
د. رائد الدبعي: لحظة كاشفة لانهيار منظومة العدالة الدولية وللحاجة إلى مشروع وطني حديث قادر على تحويل الألم إلى استراتيجية بقاء
سري سمّور: الأحداث لا تزال مفتوحة على تطوّرات غير متوقّعة ويجب التريث في إصدار الأحكام واستخلاص العِبر
د. قصي حامد: الحرب كشفت هشاشة البنى التنظيمية للحركة الوطنية وضعف قدرتها على تشكيل موقف موحد أو قيادة جامعة
عامان مضيا على السابع من أكتوبر، اليوم الذي أعاد رسم ملامح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ووضع العالم أمام اختبار الإنسانية، والشعب الفلسطيني برمته أمام محطة مفصلية للتقييم والمراجعة وإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية للحفاظ على وجوده.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن حدث السابع من أكتوبر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة كاشفة أظهرت صمود الشعب الفلسطيني رغم حجم الدمار والمعاناة، ووضعت المجتمع الفلسطيني أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على إدارة الأزمة والتخطيط لمستقبل مستقر.
تجربة العامين الماضيين وبحسب الكتاب والمحللين وأساتذة الجامعات، أكدت أن القوة وحدها لا تكفي، وأن الوحدة الوطنية والتمثيل الشرعي يمثلان شرطًا أساسيًا لإعادة ترتيب الوضع الفلسطيني، كما أن لمرحلة المقبلة تتطلب استثمار الدروس المستخلصة، وتحويل الألم والتضحيات إلى رؤية عملية للتغيير، فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في كيفية صياغة رؤية شاملة توازن بين المقاومة والتحرك السياسي، وتضع خطة وطنية موحدة تشمل الضفة وغزة ومخيمات الشتات، وخلق آليات للتخطيط الوطني بعيدة عن الانقسام والارتجال.
تحويل أدوات الصراع إلى أدوات سياسية فاعلة
تؤكد أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د.دلال عريقات، أن مرور عامين على أحداث السابع من أكتوبر أثبت حقيقة راسخة في مسار التاريخ السياسي، وهي أن جميع الحروب مهما طال أمدها تنتهي على طاولة المفاوضات، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في مفهوم التفاوض باعتباره أداة لتحقيق الأهداف لا هدف بحد ذاته.
وتشدد عريقات على أن "الغاية تبرر الوسيلة في لعبة المصالح"، وأن المطلوب اليوم هو تحويل أدوات الصراع إلى أدوات سياسية فاعلة تقود نحو الحرية والكرامة والاستقلال.
وتوضح أن الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني خلال العامين الماضيين كان باهظًا على المستويات البشرية والإنسانية والوطنية، نتيجة غياب الأفق السياسي والدخول في دوامة عنف لم تُفضِ إلا إلى مزيد من المعاناة.
وتشير عريقات إلى أنه رغم ذلك، بقيت الحقيقة واضحة "هدفنا النهائي ليس الجلوس للتفاوض، بل تحقيق الحرية والسيادة وإنهاء الاحتلال".
وتشدد عريقات على أن التجربة أثبتت أن غزة جزء لا يتجزأ من فلسطين، وأن محاولات عزلها أو التعامل معها ككيان منفصل لا تخدم سوى الاحتلال.
الانقسام أحد أخطر الأسلحة بيد إسرائيل
وتشير عريقات إلى أن ما جرى يؤكد أن الانقسام الفلسطيني شكّل أحد أخطر الأسلحة بيد إسرائيل، ما يجعل استعادة الوحدة الوطنية ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي.
وتدعو إلى إعادة تفعيل دور منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، بعيدًا عن اختزال التمثيل بفصيل واحد مهما بلغت قوته أو شعبيته، معتبرة أن وحدة القرار والتمثيل تشكل الضمانة الحقيقية لعدم انحراف البوصلة الوطنية.
وفي ما يتعلق بالبعدين العربي والإقليمي، تشدد عريقات على أهمية إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية ضمن رؤية شاملة تجعل من الحقوق الوطنية جزءًا من أمن المنطقة واستقرارها، مؤكدة أن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق من دون إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.
وتؤكد عريقات أن الخطاب الإسرائيلي انكشف أمام العالم، ولم يعد من الممكن تبرير الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، ما يستوجب وجود إرادة دولية مسؤولة تفرض المحاسبة وتدفع نحو تسوية عادلة.
وتشدد عريقات على أن سؤال الوجود والمصير الفلسطيني لم يعد نظريًا، بل بات مرهونًا بقدرة الشعب على تحويل الألم إلى أمل، والعمل إلى رؤية سياسية جامعة.
محطة مفتوحة في تاريخ الصراع
يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن مرور عامين على السابع من أكتوبر لا يتيح بعد التوقف بعمق أمام الدروس والعبر، بسبب استمرار تداعيات الحدث وتحوّله إلى محطة مفتوحة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مؤكداً أن ما جرى في ذلك اليوم لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الممتد منذ عام 1948، حين بدأت النكبة وما رافقها من سياسات تهجير وإبادة لا تزال تتجدد اليوم في قطاع غزة.
وبحسب شاهين، فإن "السابع من أكتوبر لم يبدأ قبل عامين، بل هو امتداد لمسار تاريخي من القهر والاستعمار الاستيطاني الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني منذ النكبة"، مشيراً إلى أن إسرائيل "حوّلت كل يوم منذ عام 1948 إلى ما يشبه 7 أكتوبر ضد الفلسطينيين، لكن ما يجري في غزة منذ أكثر من 750 يوماً يمثل تسارعاً غير مسبوق في سياسة الإبادة والتدمير والحصار".
ويوضح أن فهم ما حدث في طوفان الأقصى يستدعي إدراك جذوره، مؤكداً أن "ما جرى ليس تبريراً وإنما محاولة للفهم".
وبحسب شاهين، فإن سوء التقدير لدى بعض الفصائل الفلسطينية، خاصة في ما يتعلق بردة فعل الاحتلال والمجتمع الإسرائيلي، شكّل عاملاً محورياً في تفاقم الكارثة الإنسانية التي تلت الهجوم.
ويوضح شاهين أن "القراءة غير الدقيقة لميزان القوى المختل لصالح إسرائيل المدعومة من قوى كبرى جعلت من الصعب توقع حجم الرد الإسرائيلي".
ويشير إلى أن التقدير الخاطئ لمواقف أطراف "محور المقاومة" أسهم أيضاً في اتساع الفجوة بين التوقعات والواقع، إذ "اعتقدت بعض الفصائل أن مبدأ وحدة الساحات سيترجم إلى انخراط مباشر من حلفاء آخرين، لكن ذلك لم يحدث بالشكل المأمول".
ويؤكد شاهين أن "أي طرف فلسطيني لا يمكنه اتخاذ قرارات مصيرية تؤثر على مستقبل القضية الوطنية بمفرده، سواء في خيار المقاومة المسلحة أو التفاوض مع الاحتلال"، داعياً إلى مراجعة شاملة للقرار الوطني الجماعي.
الإبادة والتهجير في المشروع الصهيوني
وفي قراءته للدروس المستخلصة من حدث السابع من أكتوبر وتداعياته، يشدد شاهين على ضرورة فهم أن "الإبادة والتهجير مكونان أساسيان في المشروع الصهيوني منذ بداياته، وليسا نتيجة ظرفية"، مشيراً إلى أن إسرائيل شهدت تحولات داخلية عميقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلى حين صعود القوى الدينية الفاشية الأكثر تطرفاً التي تتبنى فكرة القضاء على الفلسطينيين لا التعايش معهم.
من جهة أخرى، يعتبر شاهين أن الولايات المتحدة ليست فقط داعماً لإسرائيل، بل شريك فعلي في حرب الإبادة، كما أن المواقف العربية اقتصرت على بيانات شجب إنشائية، دون استخدام أدوات الضغط المتاحة.
ويشدد على أن المنظومة الدولية أثبتت عجزها وانحيازها الكامل، وعطّلت الولايات المتحدة قرارات تتعلق بوقف الحرب على قطاع غزة، ما يؤكد أن النظام الدولي بحاجة ماسة إلى إعادة بناء وهيكلة.
ويشير شاهين إلى أن الاعترافات الرمزية بدولة فلسطين واللجوء إلى المحاكم الدولية غير كافيَين، كما أن ملفات المحكمة الجنائية الدولية عالقة منذ ما قبل السابع من أكتوبر دون نتائج ملموسة، ما يتطلب ضغطاً فعلياً لتسريع المحاسبة القانونية لقادة الاحتلال.
ويتوقف شاهين عند صمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة رغم الدمار الهائل، مشيراً إلى أن أحد أهم الدروس بعد عامين من الحرب هو أن أحداً من الفلسطينيين لم يحاول الفرار من القطاع رغم الإبادة المستمرة، معتبراً أن هذا الصمود يؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وحقوقه رغم كل الكوارث، وأن أي انتصار يسجل لشلال الدماء وللصمود في قطاع غزة وفي الضفة الغربية.
ويشير شاهين إلى أن التظاهرات العالمية المؤيدة لفلسطين فاقت من حيث الحجم والتأثير ما شهدته بعض الدول العربية، حيث باتت الحركة الجماهيرية أهم كمحكمة للرأي العام العالمي التي أصدرت حكمها باعتبار إسرائيل دولة مارقة ترتكب جرائم إبادة جماعية.
السردية الفلسطينية استعادت حضورها
ويؤكد شاهين أن السردية الفلسطينية استعادت حضورها في الوعي العالمي، بينما تراجعت رواية الاحتلال.
ويدعو شاهين إلى "توظيف وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر فاعلية في معركة الرواية".
أما على الصعيد الإسرائيلي، فيبيّن شاهين أن تداعيات السابع من أكتوبر أحدثت تصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي وأضعفت صورة الجيش والمؤسسة الأمنية، وهناك احتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة أو على الأقل تغييرات جوهرية في البنية السياسية الإسرائيلية.
ويشدد شاهين على أن مراجعة التجربة الفلسطينية الشاملة باتت أمراً لا مفر منه، موضحاً أن هذه المراجعة يجب أن تشمل المفاوضات والمقاومة، وأن تفضي إلى صياغة رؤية وطنية موحدة تعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة.
ويقول شاهين: "لسنا بحاجة إلى جلد الذات، بل إلى استخلاص الدروس من الأخطاء وتوحيد الصف الفلسطيني، لأن النهوض من تحت الركام يتطلب استراتيجية شاملة للتغيير يقودها جيل جديد قادر على حمل راية الكفاح الوطني في المرحلة المقبلة".
"سقوط وهم إدارة الصراع"
يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، د.رائد أبو بدوية، أن مرور عامين على أحداث السابع من أكتوبر شكّل محطة مفصلية أعادت تعريف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ليس فقط على المستوى الميداني، بل على مستوى الوعي والشرعية الأخلاقية والسياسية.
ويعتبر أبو بدوية أن ذلك اليوم "لم يكن مجرد واقعة عسكرية ضد إسرائيل، بل لحظة كاشفة لانهيار منظومات كاملة، سياسية وأخلاقية وإنسانية".
ويوضح أبو بدوية أن الدرس الأول الذي كشفه السابع من أكتوبر هو "سقوط وهم إدارة الصراع"، إذ تهاوت في لحظة واحدة كل الاتفاقات والتفاهمات الأمنية والاقتصادية التي رُوّج لها على مدار ثلاثة عقود، بعدما حاول العالم اختزال القضية الفلسطينية في معادلة "تهدئة مقابل تسهيلات".
ووفق أبو بدوية، فإن حدث السابع من أكتوبر التأكيد على جوهر القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وكرامة وحق في تقرير المصير.
أما الدرس الثاني، بحسب أبو بدوية، فهو أن "القوة بلا رؤية تقود إلى العمى"، مبينًا أن إسرائيل التي سعت إلى جعل غزة نموذجًا في الردع، وجدت نفسها عالقة في أطول حرب في تاريخها الحديث، بينما تهاوت صورتها الأخلاقية على الصعيد الدولي.
ويعتبر أبو بدوية أن المجتمع الإسرائيلي دخل في أحد أعمق انقساماته الداخلية، رغم الدعم غير المسبوق الذي تلقاه من الغرب.
وفي الدرس الثالث، يشير أبو بدوية إلى أن الرسالة كانت فلسطينية بامتياز، قائلاً: "لا مقاومة بلا مشروع، ولا مشروع بلا وحدة"، معتبرًا أن البطولة حين تنفصل عن السياسة تتحول إلى مأساة، وأن غياب الرؤية الوطنية الموحدة يجعل التضحيات عرضة للتبديد.
ازدواجية المعايير في النظام الدولي
ويلفت أبو بدوية إلى أن العامين الماضيين كشفا ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث جرى التعامل مع الإبادة في غزة بصمت أو تواطؤ رسمي، في الوقت الذي عادت فيه روح القانون الدولي لتظهر من خارج المؤسسات، في الجامعات والنقابات والشوارع التي عبّرت عن ضمير جمعي يرفض الاحتلال والقتل.
وفي ما يتعلق بالمآلات المستقبلية، يؤكد أبو بدوية أن القضية الفلسطينية لم تعد تقاس بالخرائط والحدود بل بقدرة الشعب على البقاء، معتبرًا أن "البقاء بات فعل مقاومة"، وأن الحياة في غزة تحولت بحد ذاتها إلى شكل من أشكال الرفض والاستمرار.
ويشدد أبو بدوية على أن السلطة الفلسطينية مطالبة بإعادة تعريف دورها قبل أن تفقده، في حين يؤكد أبو بدوية أن المجتمع الدولي أمام امتحان أخلاقي أخير، محذرًا من أن عدم محاسبة مرتكبي الإبادة سيحوّل القانون الدولي إلى "رماد أخلاقي".
وبحسب أبو بدوية، فإن السابع من أكتوبر لم يكن نهاية مرحلة بل بدايتها، متسائلًا: هل يمكن تحويل الألم الفلسطيني إلى مشروع تحرري جديد يعيد المعنى للعدالة والإنسانية، أم سيُترك التاريخ ليُكتب هذه المرة بدماء غزة وحدها؟
تحولات سياسية واجتماعية ونفسية عميقة
يؤكد الناطق باسم جامعة النجاح الوطنية والمحاضر في قسم العلوم السياسية، د. رائد الدبعي، أن حدث السابع من أكتوبر شكل محطة فاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية، وربما الأكثر إيلامًا منذ نكبة عام 1948، ليس فقط من حيث حجم رد الفعل الإسرائيلي وما رافقه من دمار هائل، بل أيضًا لما أحدثته من تحولات سياسية واجتماعية ونفسية ستلقي بظلالها على الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم لعقود قادمة.
ويوضح الدبعي أن الرد الإسرائيلي ارتقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، كما وثّقته منظمات دولية عديدة، ما أعاد القضية الفلسطينية إلى جوهرها كقضية تحرر سياسي وقانوني، لا باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو اقتصاديًا يمكن احتواؤه بسياسات "إدارة الصراع" التي اعتمدتها إسرائيل على مدى ثلاثة عقود.
وبحسب الدبعي، فإن السابع من أكتوبر كشف الوجه الحقيقي للاحتلال بأرقام صادمة، حيث نزح ما لا يقل عن 90% من سكان قطاع غزة قسرًا لمرة واحدة على الأقل، بينما سقط ما بين 10% من السكان شهداء أو جرحى، غالبيتهم من الأطفال والنساء والمدنيين.
ويشير إلى أن قطاع غزة شهد تدميرًا شبه كامل للبنى التحتية المدنية، من كهرباء ومياه ومدارس وجامعات ومساجد وكنائس ومنشآت طبية، إضافة إلى آثار بيئية وإنسانية ونفسية عميقة ستحتاج إلى سنوات لإعادة ترميم الحجر، وإلى عقود لإعادة بناء الإنسان.
ويلفت الدبعي إلى أن تداعيات السابع من أكتوبر لم تقف عند حدود غزة، بل امتدت إلى الإقليم، من المواجهات مع حزب الله والخسائر الكبيرة على الجانبين، إلى الأحداث في سوريا وإيران والعراق واليمن، وصولًا إلى الضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني، حيث تصاعد الاستيطان وتهويد القدس والاعتداءات على المسجد الأقصى، في ظل دعم أمريكي سياسي وعسكري مفتوح.
ويرى الدبعي أن هذا الواقع خلق تحديات جسيمة أمام المؤسسة الرسمية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية، حيث بات هامش المناورة محدودًا للغاية، خصوصًا في ظل الضغوط المتعلقة برواتب الأسرى والشهداء، والمطالب الإسرائيلية القديمة المتجددة بتعديل المناهج الدراسية بما يفرغ الوعي الوطني من مضمونه التاريخي.
الاعترافات الدولية نتيجة مباشرة لبشاعة الإبادة
وفي المقابل، يعتبر الدبعي أن موجة الاعترافات الدولية المتأخرة بدولة فلسطين، مثل اعتراف بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا، لم تكن صحوة ضمير بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لبشاعة الإبادة في غزة، وضغط الرأي العام العالمي الذي شاهد الجرائم على الهواء مباشرة. ويشدد الدبعي على أن ذلك لا يعني تبدّل موازين الانحياز، إذ ما زال الدعم الغربي لإسرائيل قائمًا في بنيته الأساسية.
ويؤكد أن السابع من أكتوبر تحوّل من مواجهة عسكرية إلى اختبار شامل للنظام الدولي والقانوني، وفي الوقت ذاته امتحان للشرعية الوطنية الفلسطينية.
ويتساءل الدبعي: هل تستطيع البنية السياسية الفلسطينية التحرك كفاعل موحد ضمن إطار القانون الدولي والدبلوماسية والمنظومة التمثيلية لمنظمة التحرير؟ أم ستبقى رهينة الانقسام والتردد؟
ويدعو الدبعي إلى تقييم موضوعي وشجاع لما جرى، بعيدًا عن المزايدات أو القداسة السياسية للحدث، بروح المؤسسة الوطنية المسؤولة التي تبحث عن الدروس والعبر لصياغة خارطة طريق واقعية للمستقبل.
شراكة سياسية وبرنامج موحد
ويشدد الدبعي على أن هذه الخارطة للتقييم يجب أن تبدأ بإنجاز وحدة وطنية حقيقية تقوم على شراكة سياسية وبرنامج موحد يستند إلى الشرعية الدولية والثوابت الوطنية، مع إعادة بناء المؤسسات على أسس المساءلة والشفافية، وتفعيل المسار القانوني الدولي، وتطوير خطاب وطني جامع يحفظ الهوية ويخاطب العالم بلغة الحق لا بلغة العاطفة.
ويشدد الدبعي على أن السابع من أكتوبر لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لانهيار منظومة العدالة الدولية، ولحاجة الفلسطينيين إلى مشروع وطني حديث قادر على تحويل الألم إلى استراتيجية بقاء، محذرًا من أن عدم استثمار هذه اللحظة قد يقود إلى مرحلة جديدة من التآكل الوطني والتهجير التدريجي.
تحوّل في طبيعة تعاطي إسرائيل مع الحرب
يؤكد الكاتب والمحلّل السياسي سري سمّور أهمية التريث في إصدار الأحكام واستخلاص العِبر من عملية السابع من أكتوبر 2023، وتداعياتها، معتبرًا أن "الحكم على حدث لم يكتمل بعد خطأ جسيم يقع فيه كثيرون تحت ضغط اللحظة والعاطفة".
ويوضح سمور أنّ ما يجري لا يزال مفتوحًا على تطوّرات غير متوقّعة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الإقليمي، خصوصًا في ظلّ "سيولة الأحداث" وامتداد تداعياتها إلى ساحات أخرى.
ويشير سمّور إلى أنّ الحدث نفسه كان غير متوقّع من حيث التوقيت أو الطريقة، وكذلك ردّة الفعل الإسرائيلية والغربية عليه، مؤكدًا أنّ كثيرًا من التحليلات المبكرة ثبت عدم دقتها. ويرى سمور أنّ التأثيرات الدولية باتت أوضح بعد مرور عامين، إذ تشهد أوروبا تحولات في المزاج العام، ما يعكس اتساع دائرة التأثر العالمي.
وفي قراءة لتداعيات حدث السابع من أكتوبر على البنية الداخلية الإسرائيلية، يلفت سمّور إلى تحوّل ملحوظ في طبيعة تعاطي تل أبيب مع الحرب؛ فبينما كانت تُعرف برفضها خوض حروب طويلة، فإنها استمرت في حرب تجاوزت العامين مع استعداد للمواصلة، وهو ما لم يكن متوقعًا.
ويشير سمور إلى تغيّر في تعامل إسرائيل مع ملف الأسرى، إذ كانت في السابق تبادل جثثًا مقابل أسرى أحياء، أما اليوم فهي تُماطل رغم بقاء العشرات.
ويتساءل سمّور عمّا إذا كانت هذه التحولات الإسرائيلية دائمة أم ظرفية، معتبرًا أن الإجابة ستتضح فقط بعد انتهاء الحدث بشكل كامل. وفي ما يتعلق بمآلات الحرب، يؤكد سمور أن الشعب الفلسطيني أثبت تمسكه بأرضه، ما يجعل خطط التهجير الشامل مستحيلة، رغم احتمال نجاح إسرائيل في محاولات جزئية.
ويرى سمّور أن إسرائيل تستغل اللحظة الراهنة لمحاولة فرض هيمنة إقليمية، لكن سمور يؤكد أن إسرائيل "تبقى وكيلًا أمريكيًا يعتمد في بقائه على الدعم الخارجي"، مستشهدًا بتدخل واشنطن لإنقاذها في الساعات الأولى من الصدمة.
كما يرى أن سؤال المصير والوجود لا يزال مطروحًا بقوة على إسرائيل، مؤكدًا أن "أقلية لا يمكنها السيطرة على محيط عربي وإسلامي يضم مئات الملايين.
وبحسب سمور، فإن الشعوب المحتلة قد تخسر ميدانيًا لكنها تكسب استراتيجيًا على المدى البعيد، مستحضرًا تجارب فيتنام والجزائر وغيرها.
تحولات عميقة أصابت المنطقة
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن مرور عامين على أحداث السابع من أكتوبر كشف حجم التحولات العميقة التي أصابت المنطقة، كما أظهر أن المجتمع الإسرائيلي غير مهيأ للسلام، وأن الحرب الطويلة على غزة أظهرت هشاشة كلٍّ من محور المقاومة والمجتمع الدولي، كما كشفت ضعف البنى الفلسطينية الداخلية وغياب المشروع الوطني الجامع.
ويوضح د. حامد أن تجربة العامين الماضيين أظهرت أن إسرائيل تزداد تطرفًا وانغلاقًا، وأن المجتمع الإسرائيلي بات يسير خلف نزعة يمينية تستند إلى إنكار وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه.
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية أن السياسات الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر انسجمت مع هذه العقلية الإقصائية، حيث بدت الممارسات الميدانية في غزة والضفة انعكاسًا لغياب أي نية حقيقية لتحقيق السلام، بل نهجاً نحو إفناء الآخر.
ويشير حامد إلى أن من راهنوا على محور المقاومة وجدوا أنفسهم أمام خيبة أمل واضحة، إذ غاب العمل الفعّال عن هذا المحور واكتفى بردود فعل محدودة لم تغيّر من موازين القوة، ما سمح لإسرائيل بالاستفراد بقطاع غزة وتكريس واقع الحرب الطويلة دون ردع حقيقي.
وفي المقابل، وبحسب د. حامد، فإن من عوّل على المجتمع الدولي اكتشف هو الآخر عجز المنظومة الأممية عن وقف الحرب أو لجم المجاعة والتهجير، بينما أظهرت الولايات المتحدة انحيازًا كاملاً وغير مسبوق لإسرائيل، لتتحول إلى شريك فعلي في العدوان.
ويشدد أستاذ العلوم السياسية على أن هذه التطورات كشفت سقوط وهم العملية السلمية من جذورها، إذ لم يعد هناك أي أفق سياسي يمكن البناء عليه، ما قاد إلى انزلاق العلاقة الفلسطينية–الإسرائيلية إلى مستوى غير مسبوق من الصدام، وأعاد تعريف مفهوم التسوية والسلام.
تحويل الزخم الشعبي الدولي إلى قوة مؤسسية منظمة
ويرى حامد أن أحد أهم الدروس التي يجب استخلاصها بعد عامين من الحرب هو ضرورة تحويل الزخم الشعبي الدولي إلى قوة مؤسسية منظمة، قادرة على الضغط السياسي والإعلامي على الحكومات الغربية.
ويدعو د. حامد إلى تشكيل لوبي فلسطيني–عربي–إسلامي يعمل على مدار الوقت لتعبئة الرأي العام الدولي، في مواجهة نفوذ اللوبي الصهيوني الذي يؤثر بعمق في القرار الأميركي والغربي.
وفي الشأن الداخلي، يشير إلى أن الحرب كشفت هشاشة البنى التنظيمية للحركة الوطنية الفلسطينية، وضعف قدرتها على تشكيل موقف موحد أو قيادة جامعة، معتبرًا أن ما يجري قد يكون مؤشرًا على نهاية مرحلة وبداية أخرى تتطلب إعادة تأسيس حركة وطنية جديدة تقوم على مشروع تحرري موحد، لا على إدارة سلطة مجتزأة تحت الاحتلال.
مصالحة شاملة وتفعيل منظمة التحرير
ويشدد على أن إعادة بناء الحركة الوطنية تتطلب مصالحة شاملة، وتحقيق الشرعية، وتفعيل منظمة التحرير، وصوغ استراتيجية عمل وطني موحدة.
ويؤكد د. حامد، أن تضحيات غزة أعادت الزخم العالمي للقضية الفلسطينية، وكشفت هشاشة مشاريع التطبيع العربي، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين اليوم يواجهون سؤال الوجود والمصير في ظل مشروع إسرائيلي معلن يسعى إلى تهجيرهم واقتلاعهم من أرضهم، ما يستدعي فعلًا وطنيًا يوازي حجم التحديات ويضع حدًّا للخلافات الداخلية التي باتت ثانوية أمام الخطر الوجودي المحدق.
ד 08 אוק 2025 9:36 am - שעון ירושלים
عامان على الإبادة.. محطة فاصلة للتقييم والمراجعة وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية
رام الله - خاص بـ "القدس" دوت كوم





שתף את דעתך
عامان على الإبادة.. محطة فاصلة للتقييم والمراجعة وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية