عامان على اندلاع الحرب الأكثر دموية وتدميرًا في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والتي انطلقت شرارتها في السابع من تشرين الأول 2023، حين شنّت حركة حماس هجومًا مباغتًا على إسرائيل في عملية "طوفان الأقصى"، أسفر عن مقتل أكثر من 1,200 شخص، بينهم أكثر من 300 جندي إسرائيلي ، واحتجزت المئات من الإسرائيليين، عسكر ومدنيين، واقتادتهم إلى غزة. جاء الردّ الإسرائيلي عنيفًا وشاملاً وغير مسبوق، إذ بدأت حربها على غزة المحاصرة استُخدمت فيها القوّة الجوية والبرّية إلى جانب حصار خانق شلّ كل مظاهر الحياة في القطاع المحاصر.
بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية، تقول وزارة الصحة في غزة أن عدد الضحايا تجاوز 67 ألف قتيل، وأكثر من 130 ألف جريح، غالبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء، في حين يقول الباحث الإسرائيلي (في جامعة بن غوريون) يعقوب غارب، يقول أن عدد القتلى قد يتجاوز 370 ألف بحسب تقرير بحثي منشور على منصة "هارفارد داتافيرس " التابعة لجامعة هارفارد المرموقة.
بعد عامين من الحرب، يتراءى مشهد غزة وكأنه من رماد مدينة سقطت في هاوية النسيان. آلاف الأبنية سُوّيت بالأرض، والمرافق العامة الأساسية أصبحت أثرًا بعد عين. ووفقًا لتقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 90% من منازل غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، وتحوّلت شوارع القطاع إلى خرائط دمار، تتخللها خيام النازحين ومراكز الإغاثة المؤقتة.
في هذا السياق، يتحدث العاملون في المجال الإنساني عن وضع كارثي تجاوز حدود المأساة، حيث يعيش أكثر من مليوني شخص في ظروف لا تلبّي الحد الأدنى من مقومات الحياة. شحّ المياه النظيفة، تراجع الرعاية الصحية، وانهيار النظام التعليمي، جميعها ملامح واقع يفتك بشعب أنهكته الحروب المتكرّرة. وقد وثّقت منظمات دولية مثل الصليب الأحمر ومنظمة "سوليداريتي إنترناسيونال" حالات من المجاعة في بعض مناطق القطاع، فيما باتت الأمراض الناتجة عن التلوّث وسوء التغذية تهدّد الأطفال بشكل خاص.
أمّا على المستوى الاقتصادي، فقد شهدت غزة تراجعًا تنمويًا يعيدها عقودًا إلى الوراء. تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن الحرب قضت على أي آمال بإحداث تنمية مستدامة، حيث تقدّر الخسائر الاقتصادية بمليارات الدولارات، وسط بطالة وفقر تجاوزا كل النسب المعهودة في الأراضي الفلسطينية. كما دُمّرت البنية التحتية الزراعية والصناعية بالكامل، ما جعل القطاع معتمدًا بنسبة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
سياسيًا، لم تُحقّق إسرائيل أهدافها المعلنة بالكامل رغم الحملة العسكرية الشرسة. صحيح أنها نجحت في ضرب عدد من قيادات حركة حماس وتدمير بنى تحتية عسكرية، إلا أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرتها على العمل والرد. أما قضية الأسرى والرهائن، فظلت تراوح مكانها رغم محاولات الوساطة المتكرّرة من مصر وقطر وأطراف أخرى.
على الجانب الآخر، واجهت الحكومة الإسرائيلية انتقادات داخلية ودولية متزايدة بسبب استمرار حربها المسعورة ، خاصة في ظل التغطية الإعلامية المكثفة للدمار والمعاناة في غزة. فخارج حدود إسرائيل، بدأت موجة من الإدانات تتسع من منظمات حقوق الإنسان وأطراف دولية، اتهمت جيش الاحتلال الإسرائيلي ، ليس فقط باستخدام "القوة المفرطة" بل بحرب إبادة ممنهجة، والخرق المنهجي للقانون الدولي الإنساني. أما داخليًا، فقد تصاعدت الاحتجاجات المطالبة بوقف الحرب من أجل تحرير المحتجزين لدى حماس ومحاسبة المسؤولين، وسط حالة استقطاب سياسي ومجتمعي لم تشهدها إسرائيل منذ سنوات بحسب المراقبين.
في الإقليم، انعكست الحرب بشكل مباشر على علاقات إسرائيل مع عدد من الدول، خصوصًا تلك التي كانت على طريق تطبيع العلاقات مثل السعودية. في المقابل، ازدادت الضغوط على السلطة الفلسطينية التي فقدت تدريجيًا دورها في المعادلة، فيما تزايدت الدعوات الدولية لإيجاد "بديل شرعي" لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب، وهو ما يُعدّ ملفًا شائكًا لم تتضح معالمه بعد.
أما غزة نفسها، فقد أصبحت رمزًا حيًّا لمعاناة متجددة، ليس فقط نتيجة آلة الحرب، بل أيضًا بسبب الغياب شبه الكامل لحلول سياسية قابلة للحياة. فكلما كان هناك بوادر لوقف هذه الحرب الهمجية، فجرها رئيس وزراء إسرائيل ، بنيامين نتنياهو، على الرغم من نجاح الهدنة في الأسبوع الأخير من شهر ترشين الثاني 2023، ونجاح وقف إطلاق النار الذي كان ساريا بسلاسة وانتظام منذ 19 كانون الثاني وحتى 18 آذار 2025.
رغم أن الحرب في غزة هي في جوهرها نزاع سياسي وعسكري، إلا أن تداعياتها البيئية والمناخية باتت تشكّل كارثة موازية لا تلقى الاهتمام الكافي. خلال عامين من القصف المستمر والتدمير الممنهج للبنية التحتية، تحوّلت غزة إلى بيئة غير صالحة للحياة. الدخان المتصاعد من القصف، والركام الذي يغمر المساحات السكنية، والتسربات الكيميائية من المنشآت الصناعية والطبية المدمّرة، كلها عناصر سمّمت الهواء والمياه والتربة، ما أدى إلى تدهور كارثي في الصحة العامة والبيئة الطبيعية.
الأنظمة البيئية في القطاع، الهشة أصلًا، لم تصمد أمام آلة الحرب. فقد دُمّرت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وتلوّثت مصادر المياه الجوفية بمياه الصرف والمواد السامة، بينما توقّف العمل بمحطات معالجة المياه، مما أجبر السكان على استخدام مصادر ملوثة. هذا الوضع فاقم من حدة الأزمات المناخية، وأدخل غزة في دوامة من "اللاعدالة البيئية"، حيث يتحمّل السكان المدنيون عبء التلوث والنزوح والحرمان من الموارد الطبيعية، في ظل غياب أي مسار لإعادة التأهيل البيئي أو التكيّف المناخي وسط استمرار العدوان
اليوم، وبعد مرور عامين على اندلاع هذه الحرب، يواجه العالم امتحانًا أخلاقيًا وسياسيًا: هل يُترك شعب غزة ليتآكل تحت القصف والمجاعة؟ أم أن الوقت قد حان لتغيير قواعد اللعبة السياسية والدفع نحو تسوية شاملة تنهي هذا النزيف المستمر؟ ما هو مؤكد أن الحرب، بدمويتها الطويلة، لم تُنتج نصرًا واضحًا لأي طرف، بل صنعت هزيمة جماعية لكل من يؤمن بالإنسان وكرامته.





שתף את דעתך
عامان على الحرب على غزة: أرضٌ محطّمة وشعب منهك وصراع بلا نهاية