ש 04 אוק 2025 9:41 am - שעון ירושלים

تصنيف أهالي غزة... إعادة صياغة المشهدين الجغرافي والديموغرافي

رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم -

د. تمارا حداد: ما يجري ليس تحوّلاً تكتيكياً في إدارة العمليات العسكرية بل انتقال من مواجهة تنظيم لاستهداف مجتمع بأكمله

محمد أبو علان دراغمة: إغلاق شارع الرشيد ليس خطوة عابرة بل إجراء مقصود لتشديد الحصار على سكان غزة لدفعهم نحو النزوح

نبهان خريشة: قد تُجبَر عائلات بأكملها على ترك منازلها في مدينة غزة ما يعزز المخاوف من تنفيذ مخطط تهجير واسع النطاق

د. جمال حرفوش: ترجمة لعقيدة تقوم على تفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويل المدنيين إلى أهداف يمكن استباحتها تحت ذرائع أمنية

ياسر مناع: الاحتلال يعتبر بقاء السكان في مدينة غزة ذريعة لتجريمهم ومبرراً يشرعن العمليات العسكرية والاستهداف الواسع

نهاد أبو غوش: ترجمة متغطرسة لسياسات الإبادة وجرائم الحرب واعتراف صريح بما تمارسه إسرائيل منذ نحو العامين في القطاع

تعكس التصريحات الأخيرة لوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحولاً جوهرياً في منهج التعامل مع سكان مدينة غزة، إذ تسعى إسرائيل إلى تجريد مئات الآلاف من الفلسطينيين من صفتهم المدنية عبر توصيفهم مقاتلين أو داعمين لـ"حماس"، في خطاب يهدف لاستخدامه كغطاء سياسي لإسقاط الحماية القانونية عن المدنيين وشرعنة استهدافهم تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.

في الميدان، يشكل إغلاق شارع الرشيد إحدى أبرز الأدوات التنفيذية لهذا التوجه، فالطريق الساحلي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه يُعد شرياناً إنسانياً حيوياً للحركة والإمداد، وتعطيله يمهّد لفصل المناطق وحرمان السكان من الحركة والإغاثة، بما يدفع عشرات الآلاف إلى النزوح القسري. هذا الإجراء لا يُقرأ كإغلاق ميداني مؤقت، بل كخطوة مدروسة لإفراغ مدينة غزة من سكانها وتضييق الخناق عليهم.

ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن الجمع بين خطاب التجريم وإغلاق الطرق الحيوية يكشف استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي في غزة، عبر الضغط العسكري والنفسي وتجريد المدنيين من أي حماية قانونية. 

ويرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أنه في ظل غياب ردع دولي فعّال، تبدو هذه السياسات تمهيداً لتكريس وقائع جديدة تقوم على التهجير وإعادة توزيع السكان قسراً، بما يعيد تعريف قطاع غزة كمساحة خاضعة لعقاب جماعي ممنهج هدفها هندسة التهجير لتحقيق أهداف إسرائيل من هذه الحرب.

 

نزع الصفة القانونية عن مئات آلاف الفلسطينيين 

 

ترى الباحثة السياسية د. تمارا حداد أن التطورات الميدانية والتصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم وزير الحرب يسرائيل كاتس، التي هدد فيها أهالي قطاع غزة، تكشف استراتيجية تتجاوز الطابع العسكري المباشر نحو إعادة صياغة المشهد السكاني والجغرافي في قطاع غزة. 

وتشير حداد إلى أن تصنيف المدنيين كمقاتلين أو "إرهابيين محتملين" لم يعد مجرد خطاب سياسي أو دعائي، بل بات جزءاً من مشروع يستهدف نزع الصفة القانونية عن مئات الآلاف من الفلسطينيين وتسهيل استهدافهم وإجبارهم على النزوح.

وتعتبر حداد أن ما يجري ليس تحوّلاً تكتيكياً في إدارة العمليات العسكرية، بل انتقال من مواجهة تنظيم إلى استهداف مجتمع بأكمله، فتصريحات كاتس حول أن ما تبقى من سكان مدينة غزة، المُقدَّرين بنحو نصف مليون فلسطيني، "يُعاملون كمقاتلين داعمين لحماس"، تنطوي على دلالات أمنية واستراتيجية عميقة. هذا التصنيف، برأي حداد، يفتح الباب أمام شرعنة القصف والاستهداف الجماعي، ويمنح الغطاء السياسي والعسكري لتوسيع العمليات تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

وتوضح حداد أن هذه السياسة تعيد إنتاج نمط تاريخي قائم على العقاب الجماعي وتفكيك البيئة الاجتماعية للحركات الفلسطينية، فوفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية، يُنظر إلى غزة باعتبارها حاضنة اجتماعية لحركة "حماس"، الأمر الذي يبرر، من منظور المؤسسة الإسرائيلية، معاقبة السكان لكسر ما تعتبره "القاعدة الشعبية" للتنظيم.

وتلفت حداد إلى أن إغلاق شارع الرشيد يحمل دلالة مركزية في هذا السياق، إذ يُعد الشريان الساحلي الأهم الذي يربط شمال القطاع بجنوبه، ويُستخدم للحركة المدنية والإغاثية. 

 

التمهيد لعمليات عسكرية أوسع بمدينة غزة ومحيطها

 

وترى حداد أن تعطيل شارع الرشيد يُمهّد لعمليات عسكرية أوسع في مدينة غزة ومحيطها، بهدف فصل المناطق عن بعضها ودفع السكان قسراً نحو الجنوب، بما يعزز سيناريو النزوح الاضطراري.

وتحذّر حداد من أن تصنيف المدنيين كمقاتلين أو داعمين لـ"حماس"، يهدف كذلك إلى بناء سردية سياسية وإعلامية تسمح بتقليل الانتقادات الدولية، وإعادة تشكيل الرأي العام الإسرائيلي والخارجي حول مشروعية العمليات. 

وبحسب حداد، فإن هذا النهج يتقاطع مع مساعٍ لتحويل المدنيين إلى أهداف مشروعة وتجريدهم من الحماية التي يكفلها القانون الدولي، رغم أن استهدافهم يتنافى مع قواعد الحرب واتفاقيات جنيف.

وترى حداد أن هذا المسار يمهّد نحو ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل القطاع، الأول يتمثل في تصعيد شامل واستمرار العمليات العسكرية والعقاب الجماعي، خاصة إذا تعثرت مسارات التفاوض أو رُفضت الخطة الأمريكية من جانب "حماس". 

ووفق هذا السيناريو، سيُستخدم الضغط العسكري والقصف والتجويع لإجبار عشرات الآلاف على النزوح نحو الحدود مع مصر، مع تدمير البنية التحتية وإفراغ مناطق واسعة من السكان، وفق حداد.

وتشير حداد إلى أن السيناريو الثاني يقوم على إقامة "منطقة آمنة" أو عازلة تُقتطع من مساحة القطاع بما يعادل ثلثه تقريباً، لتكون منطقة ذات طابع عسكري وتموضع دائم، مع تحويل النازحين إلى وضعية تهجير داخلي دائم، ما يعني تغييراً ديموغرافياً واضحاً وتقليص الجغرافيا الفلسطينية.

وتتطرق حداد إلى سيناريو ثالث يتمثل في طرح إدارة دولية مؤقتة للقطاع ضمن إطار خطة تقودها واشنطن تحت عنوان "مجلس سلام" أو إشراف عربي محدود. 

لكن حداد ترى أن هذا الطرح مرفوض فلسطينياً على نطاق واسع، نظراً لخشية الفلسطينيين من فرض ترتيبات انتقالية تكرّس الانفصال وتُقصيهم عن القرار.

وتؤكد حداد أن مواجهة هذه السيناريوهات تتطلب ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني والتوافق السياسي واستعادة زمام المبادرة، إلى جانب تنسيق عربي جاد لإحباط مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، وتحبط ايضا فصل غزة عن الضفة الغربية.

 

 سياسة تسعى إلى تفريغ شمال القطاع

 

يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن إغلاق شارع الرشيد باتجاه الشمال ليس خطوة ميدانية عابرة، بل إجراء مقصود لتشديد الحصار على سكان غزة وخاصة من تبقى في المدينة ومناطق الشمال لدفعهم نحو النزوح.

ويشير دراغمة إلى أن السماح بالحركة جنوباً مقابل منع العودة شمالاً يهدف إلى تقويض بقاء المدنيين في مناطقهم ودفعهم قسراً للنزوح، في إطار سياسة إسرائيلية تسعى إلى تفريغ شمال القطاع وحصر السكان في مساحات أصغر بعيداً عن الحدود الشمالية.

وبحسب دراغمة، فإن هذا الإجراء يرتبط مباشرة بالتصريحات التي أطلقها كاتس، والتي تسعى إلى تجريد سكان غزة من صفتهم المدنية عبر تصنيفهم كمقاتلين أو مؤيدين للإرهاب. 

ويرى أن خطاب كاتس ليس توصيفاً اعتباطياً، بل تمهيد لمنح جيش الاحتلال غطاءً قانونياً وسياسياً لارتكاب مجازر جديدة في مدينة غزة وشمالها بذريعة "محاربة حماس".

ويوضح دراغمة أن هذا التوجه ليس جديداً، إذ سبق لمسؤولين إسرائيليين أن صرّحوا بأنه "لا أبرياء في غزة"، وأنه حتى الأطفال يشكّلون "مخربين مستقبليين" وفق خطاب التطرف داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية. 

ويعتبر دراغمة أن هذه اللغة التحريضية تُستخدم لتهيئة الرأي العام الداخلي وتخفيف الضغط الخارجي، تمهيداً لتبرير عمليات عسكرية أكثر دموية خلال المرحلة المقبلة.

وفي ما يتعلق بمستقبل القطاع، يؤكد دراغمة أن سكان غزة لا يفكرون في سيناريوهات سياسية بقدر حاجتهم الملحّة لوقف الحرب ووضع حد للإبادة الجماعية والنزوح والدمار. ويشير دراغمة إلى أن المدنيين يتمسكون بالبقاء حتى فوق أنقاض منازلهم، ولا يرغبون بالتوجّه جنوباً حيث لم يعد هناك متّسع أو مقومات حياة.

 

مصير القطاع مرتبط حالياً بالموقف من خطة ترمب 

 

ويرى دراغمة أن مصير قطاع غزة مرتبط حالياً بالموقف من الخطة الأمريكية المعروفة إعلامياً بخطة ترمب، وبردّ حركة حماس عليها، وبما ستقرره إسرائيل والولايات المتحدة بناء على ذلك.

ويشير دراغمة إلى أن الخلاف لا يدور حول تفاصيل سياسية بقدر ما يتعلق بمنح أو سحب الضوء الأخضر لمواصلة الحرب، رغم أن نتنياهو يمتلك فعلياً هذا الضوء منذ اليوم الأول بدعم إدارة بايدن ثم ترمب.

ويحذر دراغمة من أن موافقة حماس على الخطة قد تُستخدم كغطاء مؤقت لوقف عمليات القصف واستعادة الأسرى الإسرائيليين خلال 72 ساعة، قبل استئناف الحرب تحت ذرائع جديدة. 

أما رفض الحركة، فيراه دراغمة مبرراً إضافياً لاستمرار العدوان وتوسيع العمليات العسكرية.

ويشير دراغمة إلى أن جميع السيناريوهات تبقى غامضة وغير قابلة للتكهن، وأن الخطر الأكبر يكمن في استغلال ملف الأسرى لتنفيذ "خدعة سياسية" تسمح بإعادة إطلاق الحرب بعد تحقيق هدف محدد، في ظل غياب ضمانات حقيقية تكبح قرار إسرائيل بالتصعيد.

 

منعطف خطير في الخطاب الإسرائيلي

 

يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن التهديد الذي أطلقه كاتس، والقاضي باعتبار مئات الآلاف من الفلسطينيين المتبقين في مدينة غزة "مقاتلين أو مؤيدين لحماس" إذا لم يغادروها، بأنه يمثل منعطفاً خطيراً في الخطابين السياسي والعسكري الإسرائيليّين. 

ويوضح خريشة أن هذا التهديد لا يقتصر على كونه إنذاراً أمنياً أو دعوة للنزوح، بل يشير عملياً إلى إعلان إسقاط الصفة المدنية عن أكثر من نصف مليون إنسان، غالبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء وكبار السن، ممن لا يملكون القدرة على مغادرة المدينة بسبب الحصار وتكلفة النزوح الباهظة.

ويؤكد أن ما طرحه كاتس يعكس توجهاً واضحاً نحو تكريس سياسة العقاب الجماعي، وهي سياسة محظورة صراحة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض تمييزاً صارماً بين المدنيين والمقاتلين. 

ويشدد خريشة على أن أي إخلال بهذا المبدأ يفتح الباب واسعاً أمام ارتكاب جرائم حرب، إذ إن التعامل مع المدنيين كـ"مقاتلين محتملين" يشكل تفويضاً مسبقاً باستخدام القوة ضدهم، وهو ما ينذر بارتفاع حاد في أعداد الضحايا وتفاقم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالقطاع منذ أشهر.

 

السيناريوهات المطروحة قاتمة

 

ويرى خريشة أن السيناريوهات المطروحة أمام سكان مدينة غزة قاتمة في مجملها، حيث أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار الحصار العسكري والإنساني، ما يعني مزيداً من الجوع وانتشار الأمراض وانهيار ما تبقّى من الخدمات الأساسية، الأمر الذي يدفع بالوضع المعيشي إلى حافة الانهيار الشامل. 

أما السيناريو الثاني وفق خريشة، فهو النزوح القسري تحت الضغط العسكري والنفسي، حيث قد تُجبر عائلات بأكملها على ترك منازلها في مدينة غزة رغم انعدام المأوى في مناطق أخرى من القطاع، ما يعزز المخاوف من تنفيذ مخطط تهجير واسع النطاق.

ويشير إلى أن السيناريو الثالث، وهو الأخطر، يتمثل في تعريض مدينة غزة برمتها لعمليات عسكرية واسعة تحت ذريعة أن سكانها فقدوا حماية القانون الدولي بعد وصفهم بـ"الأهداف المشروعة". 

ويلفت إلى أن هذا التوجه يفتح المجال أمام توسع غير مسبوق في العمليات العسكرية، بما يحمله من دمار شامل وإبادة محتملة.

ويتطرق خريشة إلى سيناريو رابع قد يفرض نفسه بفعل الضغط الإنساني الهائل، وهو اضطرار حركة "حماس" للقبول بخطة ترمب لوقف الحرب، رغم ما تحمله من إجحاف بحق الفلسطينيين، وذلك بهدف تجنب المزيد من الدمار والانهيار المدني. 

ويشير إلى أن خطورة اللحظة الحالية تكمن في أن مجمل هذه السيناريوهات تقود إلى نتيجة واحدة: أن المدنيين في غزة أصبحوا في قلب معادلة الاستهداف، في غياب أي ضمانات دولية حقيقية لردع هذا المسار.

 

سياسة طويلة الأمد تهدف لإعادة هندسة القطاع

 

يرى أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د.جمال حرفوش، أن إغلاق شارع الرشيد والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة ليست مجرد تحركات عسكرية طارئة، بل تعبير واضح عن سياسة طويلة الأمد تهدف إلى إعادة هندسة قطاع غزة على المستويين الديمغرافي والسياسي. 

ويعتبر حرفوش أن ما يجري يمثل ترجمة عملية لعقيدة تقوم على تفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويل المدنيين إلى أهداف يمكن استباحتها تحت ذرائع أمنية.

ويشير إلى أن شارع الرشيد، الذي يُعد أهم شريان ساحلي يربط شمال القطاع بجنوبه، لم يكن مجرد طريق للمواصلات، بل ركيزة بنيوية في التواصل الاجتماعي والجغرافي والاقتصادي بين المناطق في قطاع غزة. 

ويؤكد حرفوش أن السيطرة على شارع الرشيد وقطعه تعني تقسيم القطاع بشكل مدروس، وتحويل السكان إلى كتل منعزلة يسهل التحكم بها وفرض القيود عليها، تمهيداً لإخضاعهم عسكرياً وتجريدهم من قدرة الحركة والوصول إلى الإمدادات.

ويؤكد حرفوش أن هذا الإجراء لا يُفهم بمعزل عن تصريح وزير الحرب الإسرائيلي يسرائسل كاتس الذي يصف نحو نصف مليون فلسطيني بأنهم مقاتلون أو داعمون لحركة حماس. 

ويرى حرفوش أن هذا التوصيف يشير إلى نية واضحة لشرعنة الاستهداف الجماعي للمدنيين، وتحويل البقاء في المكان إلى جرم يستوجب العقاب. 

 

تجاوز خطير لمبدأ التمييز في القانون الدولي الإنساني

 

ويصف حرفوش هذا الخطاب الإسرائيلي بأنه تجاوز خطير لمبدأ التمييز في القانون الدولي الإنساني، وخرق مباشر للمادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تُلزم أطراف النزاع بالتفريق بين المدنيين والمقاتلين في كل الأوقات.

وبحسب حرفوش، فإن تجريم المدنيين بهذه الطريقة يعكس رؤية تعتبر المجتمع الفلسطيني خصماً وجودياً، لا مجرد طرف في معادلة صراع. 

ويشير حرفوش إلى أن هذا النهج يمهّد لتحويل غزة إلى مسرح عقاب جماعي، وإعادة تعريف السكان كجزء من بنية عدائية، بما يفتح الباب أمام استهدافهم دون رادع، ويحوّل إدارتهم إلى ملف أمني بحت.

ويُحذّر حرفوش من أن هذه السياسة، إذا استمرت، ستؤدي إلى نتائج كارثية على المستويات الإنسانية والقانونية والسياسية، معتبراً أنها تتجه نحو مأسسة استراتيجية تقوم على محو الفاصل بين المدني والمقاتل، وتكريس مفهوم الحرب الشاملة على المجتمع.

 

أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل القطاع

 

ويفصّل حرفوش أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل غزة في ظل این التطورات: أولها استمرار الحصار والتصعيد، حيث أن استمرار إغلاق الطرق الحيوية وتعميم خطاب التجريم يعزز مرحلة جديدة من العقاب الجماعي، تُحاصر فيها غزة بالكامل، مع تدهور شامل في المقومات الحياتية، وانهيار المنظومة الصحية وتفشي الأمراض ونقص حاد في الغذاء والدواء. 

ويعتبر حرفوش أن هذا المسار يفتح الباب أمام ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع ما لم يحدث تدخل دولي حقيقي.

السيناريو الثاني وفق حرفوش هو التهجير القسري، حيث هناك مخاوف من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى دفع السكان نحو النزوح الداخلي أو الخارجي، عبر خلق ظروف قهرية تُجبرهم على ترك منازلهم. 

ويرى أن هذا السيناريو يُعد خرقاً واضحاً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري الجماعي للسكان.

ويتطرق إلى السيناريو الثالث وهو إعادة الهيكلة السياسية بضغوط دولية، حيث أنه مع تصاعد الكارثة الإنسانية، قد يضطر المجتمع الدولي إلى فرض ترتيبات انتقالية، سواء عبر إدارة دولية أو سلطة فلسطينية معاد تشكيلها. 

ويرى حرفوش أن هذا السيناريو ينتج عن تزايد الضغط الإقليمي والدولي، لكنه يظل مرهوناً بتوازنات معقّدة.

أما السيناريو الرابع وهو الصمود وإعادة البناء، فرغم رغم قتامة المشهد، فإن غزة أظهرت قدرة لافتة على الصمود في وجه الحصار والحروب.

ويرى حرفوش أنه يمكن إذا وجد دعم دولي وشعبي أن تتحول المعاناة الحالية إلى رصيدين قانوني وأخلاقي يمكن استخدامهما ضد الاحتلال أمام المحاكم الدولية وهيئات حقوق الإنسان.

 

 

خطة متكاملة تستهدف المدنيين 

 

يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن ما يجري في مدينة غزة اليوم يتجاوز الإجراءات العسكرية التقليدية نحو تنفيذ خطة متكاملة تستهدف المدنيين عبر الحصار الشامل والتجويع والضغط القسري للنزوح. 

ويشير مناع إلى أن عزل مدينة غزة وتشديد الخناق عليها يشكلان مقدمة لسيناريو يقوم على حرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية، سواء عبر قطع الماء والكهرباء أو منع دخول الغذاء والدواء، في محاولة لإخضاع من تبقى داخل المدينة ودفعهم إلى الانهيار تحت وطأة الجوع والمعاناة.

ويؤكد مناع أن تصنيف سكان غزة المتبقين كمقاتلين أو مؤيدين للإرهاب يمثل خطوة خطيرة تهدف إلى نزع الحماية القانونية عنهم، ما يتيح للجيش الإسرائيلي التعامل معهم كأهداف عسكرية مشروعة. 

ويشير مناع إلى أن الاحتلال يعتبر مجرد بقاء السكان في مدينة غزة ذريعة لتجريمهم، وتحويل وجودهم إلى مبرر يشرعن العمليات العسكرية ويكرّس سياسة الاستهداف الواسع.

وفي ما يتعلق بالمآلات الإنسانية، يصف مناع المشهد بأنه يسير نحو كارثة متدحرجة، مع تصاعد الحصار وغياب أي أفق لتخفيف الضغط. ويتوقع مناع أن يؤدي تقييد الموارد الحيوية وتزايد القصف اليومي إلى تفاقم الانهيار المعيشي والسكاني، مشيراً إلى أن السيناريو يزداد قتامة في حال تعثر أو فشل المقترح الأمريكي المعروف إعلامياً بخطة ترمب، ما يعني استمرار الاستنزاف واستدامة المعاناة دون أي مخرج سياسي أو إنساني قريب.

 

المعطيات الدولية تفند مزاعم الاحتلال

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن التصريحات التي أطلقها  كاتس بحق سكان مدينة غزة تمثل "ترجمة وقحة ومتغطرسة لسياسات الإبادة وجرائم الحرب"، معتبراً أنها اعتراف صريح بما تمارسه إسرائيل منذ نحو عامين من قتل للمدنيين دون تمييز. 

ويوضح أبو غوش أن الحكم المسبق على أكثر من نصف مليون فلسطيني باعتبارهم "مقاتلين" يهدف إلى تبرير قتلهم واستهدافهم المباشر.

ويؤكد أبو غوش أن تحذيرات جيش الاحتلال للسكان بمغادرة مدينة غزة لا تمنحه أي مبرر قانوني أو إنساني لاستهدافهم، خاصة أن هؤلاء السكان تعرضوا للتهجير المتكرر أكثر من مرة خلال الحرب. 

ويلفت أبو غوش إلى أن المعطيات الدولية تفند مزاعم الاحتلال حول صفة "المقاتلين"، إذ تؤكد إحصاءات لمؤسسات دولية أن 15 شخصاً من كل 16 في غزة هم مدنيون غير مقاتلين، كما أن هناك دراسة إحصائية إسرائيلية مُنعت من النشر، لكن مضمونها تسرّب لصحيفة "هآرتس"، وتكشف أن ستة من كل سبعة أشخاص في غزة مدنيون، بما يبرهن أن هذه الحقائق تدحض ادعاءات الاحتلال الذي يحاول التعميم والتجريم الجماعي.

 

أسباب تعيق النزوح من مدينة غزة

 

ويسرد أبو غوش جملة من الأسباب التي تحول دون قدرة السكان على النزوح من مدينة غزة، رغم الضغوط المتواصلة، السبب الأول هو عدم وجود مكان آمن في غزة، إذ لا مؤشرات على أن المناطق التي يُطلب من المدنيين النزوح إليها -وعلى رأسها دير البلح والمخيمات الوسطى- أكثر أماناً من أماكن وجودهم الحالية، ووثّقت عشرات الحالات التي استُهدف فيها النازحون خلال انتقالهم أو فور وصولهم للمناطق التي نزحوا إليها.

أما السبب الثاني وفق أبو غوش، فيتمثل في محدودية وسائل النقل وانعدام الوقود، ما يجعل من النزوح عملياً خياراً غير ممكن تتحمل كلفته فقط العائلات الميسورة، بينما تعجز الغالبية الساحقة عنه، والسبب الثالث، وهو العجز الجسدي والصحي، إذ تقدر أعداد الذين لا يستطيعون النزوح بعشرات الآلاف من المرضى والمصابين وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى الأطفال ومن تبقى لمرافقتهم من ذويهم.

ويشير أبو غوش إلى وجود سبب رابع يتعلق بالجانب النفسي والكرامة الإنسانية، حيث ترفض عائلات كثيرة النزوح مرة أخرى بعد تجارب التهجير المتكرر، وتفضل البقاء في منازلها حتى لو أدى ذلك إلى الموت، بدلاً من خوض مغامرة غير مضمونة النتائج.

ويرى أن تصريحات كاتس تأتي في سياق الحديث عن مبادرة ترمب لوقف الحرب، بما يكشف أن "الإبادة هي الأساس في العقلية الإسرائيلية سواء كانت هناك صفقة أو لم تكن". ويشير أبو غوش إلى أن إسرائيل كثّفت عمليات القتل اليومي بالتزامن مع التسريبات حول قرب التوصل إلى اتفاق، وكأنها في سباق مع الزمن لتحقيق أكبر عدد من الضحايا الفلسطينيين، في ما يشبه "عداداً دموياً يُقاس به الإنجاز".

 

بٌعد انتقامي واضح في العمليات العسكرية

 

ويؤكد أبو غوش أن هذا السلوك يعكس البعد الانتقامي الواضح في العمليات العسكرية الإسرائيلية والاستهداف المقصود للمدنيين، مستشهداً باعترافات سابقة لرئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي أهارون حليفا. 

ويعتبر  أن إسرائيل تستخدم هذا التصعيد كأداة ضغط إضافية على الفلسطينيين والمقاومة لدفعهم إلى قبول أي صفقة تُفرض عليهم بغض النظر عن مضمونها أو عدالتها.

ورغم ذلك، يشدد أبو غوش على أن صمود الشعب الفلسطيني في غزة والمقاومة حالت حتى الآن دون تنفيذ مخطط التهجير، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة باتت معنية بإنهاء الحرب، لكنها تريد إنهاءها وفق شروط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. 

ويؤكد أبو غوش أن الشعب الفلسطيني لا يملك خيارات سوى الصمود، غير أن هذا الصمود يحتاج إلى إسناد فلسطيني وعربي جدي كي يثمر، ومن أجل تحويل التضامن العالمي إلى خطوات عملية تحمي المدنيين وتصون الحقوق الوطنية المشروعة.

תגים

שתף את דעתך

تصنيف أهالي غزة... إعادة صياغة المشهدين الجغرافي والديموغرافي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.