في مشهد يحمل طابعًا استثنائيًا من حيث التوقيت والدلالات، عقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم الاثنين 29 أيلول 2025، حيث أعلن (ترمب) عن مبادرة سلام جديدة لإنهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تضمنت خطة مفصّلة من 21 بندًا، قالت واشنطن إنها قد تؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم، والإفراج عن الرهائن، وإعادة إعمار غزة، وتأسيس إدارة مدنية مؤقتة بإشراف دولي.
المؤتمر جاء بعد عامين تقريبًا منذ أن شنت إسرائيل حرب إبادة على غزة في 7 تشرين الأول 2023، إثر عملية "طوفان الأقصى" ، والتي خلّفت آثارًا إنسانية واقتصادية مدمّرة، ذهب ضحيتها أكثر من 66 ألف مواطن فلسطيني من القتلى وأكثر من 150 ألف جريح، أغلبيتهم الساحقة من النساء والأطفال، وألحقت بالقطاع المحاصر دمارا شبه كامل لكل مستشفيات غزة، ومدارس غزة، وبيوت غزة ، وجوامع غزة، وبنايات غزة، وغيّرت كثيرًا من المعادلات السياسية في المنطقة. ويبدو أن واشنطن، من خلال هذه الخطة، تحاول الإمساك مجددًا بخيوط التأثير في الملف الفلسطيني‑الإسرائيلي، بعد أن تراجعت خلال السنوات الأخيرة لصالح أدوار إقليمية متصاعدة.
جوهر الخطة وأهدافها المعلنة
الخطة التي عرضها ترمب خلال المؤتمر تتضمن أربع ركائز رئيسية: وقف إطلاق النار الفوري، تبادل متزامن للرهائن والمعتقلين، إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار غزة، وتشكيل إدارة انتقالية للقطاع تضم ممثلين عن الأمم المتحدة وعدة دول عربية وغربية، مع إشراف أميركي مباشر.
الرئيس ترمب وصف المبادرة بأنها "الفرصة الأخيرة قبل أن تتوسع الحرب أكثر"، مشددًا على أن بلاده ستتحرك بشكل مباشر في حال رفضت حماس الانخراط في العملية السياسية. وقال بالحرف:"إذا لم تقبل حماس بالخطة، فسيكون علينا المضي نحو الحل الأصعب".
من جهته، أعلن رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو (الذي صدر بحقه مذكرة اعتقال من قبل المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم حرب) دعمه المبدئي للمبادرة، لكنه ربط التنفيذ الكامل لها بعدة شروط (تعجيزية)، أهمها ضمان نزع سلاح حماس وعدم عودتها إلى الحكم في غزة. كما أثارت تصريحات نتنياهو جدلًا بعد أن قدم اعتذارًا رسميًا لدولة قطر بسبب قصف قطر في محاولة لاغتيال الوفد القيادي المفاوض من حركة حماس (يوم 9/9/2025) على أراضيها، في "خطوة نادرة" من الجانب الإسرائيلي (وفق المحللين)، وتُفهم على أنها محاولة لإعادة فتح قنوات التنسيق مع بعض الأطراف العربية.
البُعد السياسي والدبلوماسي
من الواضح أن الرئيس الأميركي ترمب يسعى من خلال هذه الخطة إلى تقديم نفسه كصانع سلام عالمي (ربما سعيا وراء جائزة نوبل للسلام) وربما لأسباب سياسية داخلية. فبعد سنوات من السياسات الداخلية المثيرة للجدل، يُراهن ترمب (على ما يبدو) على ملف السياسة الخارجية لتعزيز صورته، خصوصًا في ملف الصراع الفلسطيني‑الإسرائيلي الذي لطالما استخدمه الرؤساء الأميركيون لتعزيز شرعيتهم الدولية.
في المقابل، تبدو حسابات نتنياهو أكثر تعقيدًا، فهو يواجه ضغوطًا داخلية من أحزاب اليمين المتطرف التي تعارض وقف إطلاق النار، أو أي تسوية مع حركة حماس أو حتى إشارات إلى عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. ورغم تأييده العلني للمبادرة، إلا أن تطبيق بنودها سيضعه في مواجهة مباشرة مع حلفائه في الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم.
تحديات أمام التنفيذ
رغم ما تحمله الخطة من وعود بإنهاء الحرب، إلا أن العقبات أمام تنفيذها حقيقية وجسيمة. حماس ، وعدت بدراسة العرض بجدية كاملة، ولكنها لم تُصدر موقفًا رسميًا حتى الآن، إلا أن مصادر مقربة من الحركة أعربت عن تحفظات شديدة تجاه بعض البنود، خصوصًا ما يتعلق بإشراف أميركي على القطاع، وطبيعة الحكومة الانتقالية التي ستدير القطاع.
كما أن تفاصيل مثل آلية اختيار الإدارة المؤقتة، وضمان الأمن، وتمويل الإعمار، وعودة النازحين، لم تُحسم بشكل واضح، مما يجعل من الخطة في نظر كثير من المحللين إطارًا عامًا بحاجة إلى مفاوضات شاقة لتنفيذه.
أما على المستوى العربي، فهناك خشية من أن تكون المبادرة محاولة لتكريس واقع "ما بعد حماس"، دون حل جذري للقضية الفلسطينية. بعض الدول قد تنخرط في العملية لتفادي الفراغ، لكن دون قناعة بأن هذه الخطة تمهّد فعلاً لدولة فلسطينية مستقلة.
مبادرة للسلام أم إعادة إنتاج للأزمة؟
ما طُرح في المؤتمر بين ترمب ونتنياهو هو من حيث الشكل محاولة جديدة لإنهاء صراع مزمن، لكنه من حيث المضمون يعكس رغبة في إدارة الأزمة لا حلّها جذريًا. فطالما أن أحد الأطراف الرئيسية – أي حماس – لم يكن حاضراً في الإعلان، وطالما أن السلطة الفلسطينية بقيت على الهامش، فإن فرص نجاح الخطة ستبقى مرهونة بالتوازنات السياسية، لا بالنيات المعلنة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأساسي: هل ما طرحه ترمب في واشنطن هو بالفعل خطة للسلام، أم مجرد محاولة لتثبيت واقع جديد في غزة تحت غطاء دولي؟





שתף את דעתך
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض: خطة سلام أم تثبيت لواقع جديد في غزة؟