ה 18 ספט 2025 2:49 pm - שעון ירושלים

التعليم كجبهة في الحرب الناعمة: بين الاستخراب الغربي وبناء الهوية الحضارية العربية الإسلامية .

ياسر أبوبكر

لم يعد الاستعمار الحديث يقتصر على الجيوش والأساطيل كما كان في القرون الماضية، بل تحول إلى ما يمكن تسميته بالاستخراب الناعم، حيث تتسلل الهيمنة عبر الثقافة واللغة والاقتصاد والاستهلاك، فتأسر الشعوب فكريًا قبل أن تستولي على مواردها. وكما يشير الكاتب والمفكر  بكر أبوبكر، فإن هذا النمط من السيطرة يقوم على تحويل قيم الغرب إلى معيار كوني، يفرض على الأمم الأخرى أن تقلده حتى وهي تحقر ذاتها، فيغدو الانبهار بالآخر وسيلة لإضعاف الثقة بالهوية.
 في هذا السياق يصبح التعليم الجبهة الأكثر حساسية في الحرب الناعمة، فهو المجال الذي يُشكّل فيه وعي الأجيال، ويُصاغ من خلاله إدراك الفرد لذاته وللعالم.

التعليم يمكن أن يتحول إلى أداة هيمنة إذا اقتصر على مناهج مستوردة صيغت في سياقات مختلفة، أو إذا جعل اللغة الأجنبية معيارًا وحيدًا للعلم والمعرفة، أو إذا غرق في نشر القيم الاستهلاكية بوصفها الحداثة والتقدم. لكنه بالمقابل قادر على أن يكون قوة ناعمة تحررية، تعيد الاعتبار للذات العربية والإسلامية، وتبني جيلًا ناقدًا واعيًا يميز بين الاستفادة من الآخر وبين الانسحاق أمامه.
إن المدرسة والجامعة ليستا فضاءين محايدين، بل هما موقعان لصراع يومي بين الاستتباع والتحرر، بين استهلاك الخطاب الغربي وإنتاج خطاب حضاري بديل.

اللغة هنا في قلب المعركة، فهي ليست أداة تواصل فقط بل وعاء هوية وذاكرة. حين يُربى الطالب العربي على أن الإنجليزية أو الفرنسية هي لغة التقدم والعلم بينما تُهمّش لغته العربية، فإنه يفقد الرابط الأعمق مع ذاته وتاريخه، ويصبح أكثر عرضة للاغتراب والانفصال عن مجتمعه. لهذا فإن الدفاع عن العربية بوصفها لغة العلم والفكر لا يقل أهمية عن أي معركة سياسية أو اقتصادية، بل هو شرط أساسي للحفاظ على استقلال الوعي.

إن التجارب التاريخية المعاصرة تثبت أن التعليم يمكن أن يكون فعل مقاومة بامتياز، وتجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية تقدم المثال الأبرز على ذلك. ففي قلب السجون الإسرائيلية حوّل الأسرى الزنازين إلى قاعات دراسية، ابتكروا مناهجهم الخاصة، وتشاركوا المعرفة عبر حلقات تعليمية سرية وعلنية، حتى صار التعليم هناك وسيلة لتعزيز الصمود النفسي وبناء الوعي الوطني. لم يكتفوا بنقل المعرفة بل صنعوا نموذجًا تربويًا بديلًا، يقوم على التعلم التعاوني، وصياغة الهوية، وتطوير خطاب تحرري يناقض رواية السجان. لقد برهنت هذه التجربة على أن التعليم لا يُقهر، وأنه حتى في أكثر الظروف قسوة يمكن أن يتحول إلى جبهة مواجهة للاستخراب.

من هنا فإن مواجهة الحرب الناعمة تتطلب إعادة الاعتبار للتعليم باعتباره مشروعًا حضاريًا، يقوم على ترسيخ القيم الأصيلة في المناهج مثل الصدق والكرامة الإنسانية والعدل والتعاون والحرية، ويعتمد على التربية النقدية التي تشجع الطالب على مساءلة الخطاب المهيمن بدل الانبهار به، ويعدّ المعلم قائدًا للوعي لا مجرد ناقل للمعلومة، ويستثمر الأدوات الحديثة من إعلام رقمي وفنون ودراما لتوسيع دائرة التأثير. كما يتطلب الأمر استراتيجية شاملة تربط بين التعليم والحرية، وتستلهم من تجربة الأسرى نموذج التعليم المقاوم الذي يربط بين المعرفة والتحرر.

إن التعليم اليوم هو خط الدفاع الأول في وجه الحرب الناعمة. وإذا تُرك أسيرًا للنماذج المستوردة والقيم الاستهلاكية فسوف يتحول إلى قناة للاستخراب الجديد، أما إذا أُعيد بناؤه على أساس الهوية والقيم الحضارية الأصيلة، فإنه سيصبح قوة ناعمة مضادة، قادرة على أن تصوغ للأمة نموذجًا جاذبًا وندّيًا في مواجهة الغرب.
 إن معركة التعليم ليست معركة مناهج وكتب فحسب، بل معركة وعي وهوية ومستقبل، وهي التي ستحدد إن كنا سنبقى أسرى الاستخراب، أم نصنع من التعليم جبهة للتحرر والنهضة.

תגים

שתף את דעתך

التعليم كجبهة في الحرب الناعمة: بين الاستخراب الغربي وبناء الهوية الحضارية العربية الإسلامية .

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.