واشنطن -"القدس" دوت كوم– سعيد عريقات
استقال جيري جرينفيلد، أحد مؤسّسي شركة الآيس كريم الشهيرة بن آند جيري، من دوره كمندوب للعلامة بعد مسيرة امتدت نحو 47 عامًا، مؤكدًا أنه لم يعد يستطيع "بضمير مرتاح" البقاء في الشركة التي شارك في بنائها، وذلك على خلفية ما وصفها بـ "إسكات" صوتها الاجتماعي والسياسي بواسطة الشركة الأم، يونيليفر، خصوصًا في ما يتعلق بالحرب في غزة.
وقد تأسست شركة بن آند جيري عام 1978 على يد جرينفيلد وبن كوهين، اليهوديين الأميركيين، وأشتهرت منذ البداية بدمج قيم العدالة الاجتماعية مع الإنتاج التجاري.
وفي عام 2000، استحوذت يونيليفر على الشركة مقابل حوالي 326 مليون دولار، إلا أن الاتفاق المبرم آنذاك تضمن بنودًا تمنح بن آند جيري استقلالًا إلى حد ما في الشؤون المتعلقة بالمهمة الاجتماعية والقيم الأساسية للعلامة.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الخلافات بين مؤسّسي العلامة ويونيليفر، خصوصًا منذ إعلان بن آند جيري في عام 2021 عن توقّف المبيعات في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بسبب ما وصفته أنه “لا يتوافق مع قيمها".
وجاء التصعيد من جهة بسبب اتخاذ العلامة الشهيرة، موقفًا علنيًا حادًا ضد حرب الإبادة في غزة، حيث وصف أنشطائها أن ما يجري هو "إبادة جماعية" – وهو تعبير غير معتاد ومثير للجدل بالنسبة لشركة أميركية كبرى.
فقدان الاستقلالية
وقال جرينفيلد إن قدرة بن آند جيري على التعبير عن آرائها السياسية والمشاركة في القضايا الاجتماعية قد تم تقييدها من قبل يونيليفر، الأمر الذي اعتبره إخلالًا بالاتفاق الأصلي الذي حفظ للعلامة قدراً من الاستقلالية فيما يخص مهمتها الاجتماعية، حيث وردت كلمة "إسكات" "silenced" في خطاب الاستقالة كلفظ محوري: وقال إن الشركة الأم تمارس ضغوطًا لمنع المواقف الاجتماعية والسياسية الجدّية، أو للتقليل من البروز العام لهذه المواقف.
وأوضح جرينفيلد أن استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكنًا على الصعيد الأخلاقي؛ بأن البقاء داخل الشركة سيعني التنازل عن القيم التي أنشئت من أجلها بن آند جيري.
رد فعل يونيليفر وبقية الأطراف
من جهتها، رفضت يونيليفر الاتهامات بأن تكون قد أوقفت حرية التعبير أو الدعوة الاجتماعية للعلامة بالشكل الذي وصفه جرينفيلد، وأشارت إلى رغبتها في المضي في حوار "بناء" مع المؤسّسين لتعزيز الدور الاجتماعي والقيمي للبن آند جيريّ. كما أنها أشارت إلى أن جرينفيلد قد خَلى منصبه كمندوب للعلامة (Brand Ambassador) لكنه ليس طرفًا في القضية القانونية القائمة التي تشمل مطالبات من العلامة بأنها مُقيدة في التعبير السياسي.
الأبعاد القانونية والمالية
وتم رفع دعوى قضائية من قبل هيئة بن آند جيري المستقلة ضد يونيليفر، تتهمها بانتهاك ذلك الاتفاق الأصلي الذي يضمن استقلالية معينة في العلاقات العامة وإدارة المواقف الاجتماعية والسياسية.
وجاء قرار جرينفيلد ضمن عملية تحضير لفصل (spin-off) وحدة الآيس كريم التابعة ليونيليفر والمعروفة باسم Magnum Ice Cream Company، والتي من المتوقع أن يتم إدراجها في سوق الأسهم بحلول نهاية 2025، ما يعيد ترتيب الملكية والتشغيل للعلامة، مما يزيد الأهمية المالية والاجتماعية لقرار الاستقالة.
وطلب مؤسّسو العلامة (الشركة) أن تُمنح بن آند جيري الاستقلال الكامل أو حتى البيع إلى مستثمرين مستقلين للحفاظ على مهمتها الاجتماعية دون تدخل من الشركة الأم، لكن هذا الطرح تم رفضه من قبل يونيليفر.
وأثارت الاستقالة ردودًا واسعة في الأوساط الإعلامية، الحقوقية، وبين المستهلكين الذين يُتابعون العلامة بفضل قيمها الاجتماعية. بعضهم نوه إلى أن هذا الحدث يُمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الشركات الكبيرة بالقيم التي تروّج لها، خصوصًا حين يتعارض هذا الالتزام مع مصالحها الاقتصادية أو مع ضغط سياسي.
كما أن الموضوع يُبرز الصعوبة التي تواجهها الشركات التي تبنّت نشاطًا اجتماعيًا في الحفاظ على هذا الموقف عند انتقالها إلى ملكية كبرى. التوتر بين الربح والمبادئ يصبح أكثر حدة في أوقات الأزمات السياسية أو ألإنسانية.
تداعيات مستقبلية متوقعة
يقول الخبراء أن استقالة مؤسّس الشركة سيؤثر على صورة العلامة لدى الجمهور الذي يدعم القيم الاجتماعية، وقد تترجَم إلى خسائر أو مقاطعات من أولئك الذين يرون أن العلامة تُنازل عن مبادئها.
ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة مزيدًا من الضغوط القانونية والدعوات لإعادة الموقف الاجتماعي ضمن الاتفاق الأصلي، أو حتى محاولات لإخراج بن آند جيري من سيطرة يونيليفر بالكامل.
كما قد تُصبح هذه الحالة مرجعية لكثير من الشركات التي تعلن عن التزامها بالقضايا الاجتماعية، تُذكر أن الإعلان وحده لا يكفي إذا لم يتم تأمين بنود تشغيلية تضمن حرية التصريح والموقف السياسي/الأخلاقي. ، حيث تُعيد هذه القضية طرح أسئلة بشأن حرية التعبير داخل الكيانات التجارية، وعمق التزام الشركات بنشر قيم مثل العدالة وحقوق الإنسان حين تكون هذه القيم تتداخل مع السياسة الدولية المثيرة للجدل.
يعتقد الخبراء أن استقالة جيري جرينفيلد من "بن آند جيري" ليست مجرد خطوة شخصية؛ إنها علامة على تصدع بين شعار العلامة التجارية وقيمها المعلنة، حين تواجه هذه القيم تحديات من مالك أكبر ذو مصالح مالية وسياسية. الصراع بين المبادئ والمكاسب، بين المهمة الاجتماعية والسياسات العليا، يتجسد في هذه اللحظة، وستكون النتائج من أهم دروس السنوات القادمة في موضوع العلاقة بين الشركات الكبرى والمجتمع.





שתף את דעתך
استقالة مؤسس "بن آند جيري" بعد خلافات متصاعدة حول موقف الشركة من الحرب على غزة