كثيراً ما أُسأل، سواء من المرضى أو من العامة: «دكتورة، هل تؤمنين بالسحر؟» ولأن السؤال متكرر، أود أن أقدّم إجابتي بوضوح، مدعّمة بالحجة وبما أراه في عملي اليومي.
من خبرتي السريرية، أقدّر أن ما يقارب 80% من الأشخاص الذين انتهى بهم المطاف في العيادة النفسية كانوا قد استنزفوا قبل ذلك الكثير من وقتهم وصحتهم ومالهم بالتردّد على من يدّعون القدرة على فكّ السحر. هذا الواقع بحد ذاته يفرض علينا التوقف والتفكير: ما الذي يجعل الناس يصدقون؟ وما الذي يجعلهم يشعرون أحياناً بالتحسن المؤقت عند هؤلاء؟
أولاً، من منظور العقيدة: السحر ليس ركناً من أركان الإيمان. أركان الإيمان محدّدة: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. أما الإيمان بأن شخصاً ما يستطيع أن يكشف الغيب أو يغيّر مصائر العباد بعد أن انتهت النبوة ومعجزاتها هو ضرب من الشرك بالله، إذ يُنسب ما لا يُنسب إلا للخالق إلى بشر مثلنا.
ثانياً، من منظور العقل: لو كان بوسع الناس تغيير الأقدار عبر السحر، لانتفت العدالة الإلهية، ولما بقي للحرية والمسؤولية معنى. ولو كان أحد قادراً على كشف الغيب، لانهارت فلسفة الامتحان الإنساني التي يقوم عليها وجودنا.
ثالثاً، من منظور العلم: بعض المرضى يخبرونني أنهم شعروا بتحسن بعد جلسات "فك السحر". التفسير العلمي لهذا التحسّن هو ما يُسمّى الإيحاء (أو أثر التوقع). فعندما يعتقد الإنسان أن طقساً أو إجراءً ما سيخفّف آلامه، يتهيّأ جسده ونفسه لذلك: يُفرز الإندورفين في الدماغ، وقد يهدأ الجهاز العصبي مؤقتا، وتُخفف درجة الانتباه للأعراض. قد يرافق ذلك شعور بالدعم الاجتماعي أو الأمل الجديد، كما وقد يتم تشتيت الانتباه عن المشاكل الاجتماعيه الحقيقيه في حياه هذا الانسان والتركيز على الاعتقاد بأن السحر هو المسؤول عن معاناته، وكل كا سبق عوامل تساعد مؤقتاً على التخفيف من المعاناة. لكن هذا لا يُعالج السبب الجذري للاضطراب، لذلك سرعان ما يعود المريض إلى المعاناة من جديد.
إذن، حين يتردد الناس إلى من يسمّونهم "شيوخ فكّ السحر"، فهم في الغالب يضيّعون وقتهم وصحتهم ومواردهم. بعضهم يُستغل مادياً، وبعضهم تتفاقم حالته النفسية بسبب الإحباط المتكرر، ليعود في النهاية باحثاً عن العلاج الطبي والنفسي الذي كان متاحاً منذ البداية.
من هنا، فإن مسؤوليتنا كأطباء و كأشخاص مهتمين في المجتمع أن نوضح:
أن الإيمان الحقيقي لا يقوم على الخرافة ولا على تعليق المصائر بأوهام.
أن التحسّن المؤقت الناتج عن الإيحاء لا يغني عن العلاج الجذري.
أن الوقاية من الاستغلال تقتضي رفع وعي الناس، وتشجيعهم على طلب المساعدة الطبية والنفسية المبكرة.
في النهاية، لا أصادر حرية أحد في أن يعتقد ما يشاء. ولكن حتى لو افترضنا جدلاً أن شخصاً ما أصيب بسحر، فإن الحكمة تقتضي أن يبحث عن علاج لآثاره الواقعية: القلق، الاكتئاب، اضطراب النوم أو الجسد. العلاج هنا في التوجه إلى الطب والعلم، مع الاستعانة بالدعاء والذكر كزادٍ روحي مشروع. وعلى عكس بعض الديانات الأخرى نحن المسلمين لسنا بحاجه الى وسيط بيننا وبين رب العالمين ولا الى "شيخ فك السحر" حتى نتوجه إلى بارئنا بالدعاء.
الى المراجعين الاعزاء الذين لا يكفون عن سؤالي (هل تؤمنين بالسحر؟) إليكم جوابي باختصار: لست مؤمنة بقدرة بشر على تغيير الأقدار أو كشف الغيب، وأرى في ذلك شركاً وضياعا. لكنني مؤمنة بقدرة الإنسان، إذا التزم بالعقل والإيمان والعلم، أن يجد طريقه للتعافي، وأن يحرّر نفسه من أوهام ترهقه ولن تنفعه أبدا.





שתף את דעתך
هل أؤمن بالسحر؟ بين الوهم والإيحاء والعلاج النفسي