تُختبر القدس في تفاصيلها اليومية أكثر مما تُختبر في قاعات المؤتمرات أو على منابر العواصم، يظهر ذلك في الطالب الذي يواجه الحاجز ليصل إلى مدرسته، وفي إصرار التاجر على فتح متجره رغم العزلة والضرائب الباهظة، وفي صلاة مسن داخل المسجد الأقصى كما في قداس راهبة بكنيسة القيامة، وكلاهما يحوّلان العبادة إلى فعل بقاء وانتماء، هكذا يتجسد "الصمود المتحدّي" كفعل يومي يعيد إنتاج الوجود الفلسطيني في مدينة يحاول الاحتلال، منذ عام 1967، إعادة صياغة مكانها وإنسانها وذاكرتها عبر سياسات الهدم والضرائب وأسرلة التعليم وتجفيف الفضاء الثقافي، ومع أنّ هذا الصمود يبدو راسخًا، فإنه يظل هشًّا إن تُرك بلا إسناد مؤسسي منظّم، في الوقت الذي يوسّع فيه الاحتلال أدوات التفكيك والتهجير، يكتفي المحيط العربي بالشعارات والألقاب الرمزية التي لا تغيّر من واقع المقدسيين، وهنا يظهر السؤال الحاسم: كيف يتحوّل التعاطف العربي إلى سياسات عملية قابلة للقياس تحفظ المدارس، وتُبقي المستشفيات حيّة، وتخلق فرص عمل، وتحصّن الثقافة كخط الدفاع الأول عن هوية القدس؟
- منظومة الاحتلال الهادفة الى تفكيك الحياة وإعادة تشكيلها
يعمل الاحتلال كمنظومة ضغط متواصلة عبر هدم البيوت، منع التراخيص، فرض الضرائب، إغلاق الأسواق، خنق المستشفيات، أسرلة المناهج، قمع الفعاليات الثقافية، لم تعد هذه الإجراءات مجرد تفاصيل إدارية، بل أدوات سياسية لإعادة رسم الديموغرافيا ودفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري، مع تفكيك النسيج الاجتماعي للمدينة وتحويل الحياة العادية إلى عبء يومي مرهق، والهدف ليس فقط السيطرة على الأرض، بل إعادة صياغة الوعي والذاكرة الجماعية، بحيث يغدو البقاء ذاته فعل مقاومة، بهذه السياسات، يسعى الاحتلال إلى جعل حياة المقدسيين مستحيلة، ليدفعهم إلى مغادرة مدينتهم طوعًا تحت ضغط الاستنزاف اليومي.
الرمزية العربية، ألقاب بلا أثر
ترك العربُ المقدسيون في مواجهة مصيرهم وحدهم، مكتفين بالشعارات والألقاب الاحتفالية، حيث أعلنوا القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009، ثم للسياحة عام 2018، وجعلوها عاصمة دائمة للإعلام منذ 2022، واختاروها عاصمة للشباب عام 2023، وأخيرًا للمرأة العربية 2025–2026، كما نظموا مؤتمر القدس صمود وتنمية في القاهرة عام 2023، لكن مخرجاته بقيت حبيسة الورق بلا أثر يُقاس في مدارس المدينة أو مستشفياتها أو أسواقها، وتحوّلت الألقاب إلى عناوين موسمية تُستهلك إعلاميًا بدل أن تُترجم إلى سياسات مستدامة، ومع هذا الفراغ تعمّقت الفجوة بين الخطاب والواقع، فيما بقي المقدسيون وحدهم في مواجهة سياسات التهجير والاقتلاع، وتحوّل الدعم العربي إلى رمزية عاجزة عن الفعل.
الفجوة بين التعاطف والسياسات
عمّقت موجة التطبيع الفجوة حين همّشت مركزية القدس في الخطاب الرسمي العربي، فيما استنزفت الأزمات الداخلية طاقات العواصم وأضعفت قدرتها على تحويل التعاطف إلى سياسات عملية، أظهر الشارع العربي في المقابل أعلى درجات التضامن، تجلّت في هبّة باب العامود عام 2021 ومعركة الشيخ جرّاح، وفي كل مواجهة مع محاولات اقتحام الأقصى، غير أنّ هذا الزخم الشعبي ظل بلا أداة مؤسسية تحوّله إلى فعل منظم ومستدام، فتحوّل إلى موجات انفعال عاطفية سريعة التبخر، تفتقد الأثر التراكمي والاستراتيجية طويلة المدى، وهكذا بقيت القدس عالقة بين تعاطف شعبي واسع وخطاب رسمي عاجز، فيما استمر الاحتلال في تعزيز مشروعه على الأرض بلا مقاومة موازية في مستواها المؤسسي والسياسي.
الواقع يكشف الفجوة بين الرمزية والفعل
يكشف المشهد المقدسي حجم الفجوة بين ما يُرفع من شعارات وما يُترجم إلى أفعال، فالعديد من المدارس باتت مهددة بالإغلاق نتيجة غياب التمويل المنتظم، فيما يواجه طلبة كثر خطر فقدان مقاعدهم الجامعية بسبب عجز عائلاتهم عن تسديد الرسوم، وتغرق مستشفيات تاريخية مثل المقاصد والمطلع في ديون خانقة تهدد استمرار خدماتها الحيوية، بينما يظل الفضاء الثقافي، في هامش الاهتمام والدعم العربي، هذه الحقائق لا تترك مجالًا للالتباس، بل تكشف بوضوح اختلال الأولويات وغياب رؤية عملية، وتفرض ضرورة الانتقال من دائرة الرمزية إلى سياسات ملموسة قابلة للتنفيذ والقياس تعيد للقدس قدرتها على الصمود والاستمرار.
-كيف يمكن أن يتحول الدعم العربي إلى سياسات صمود؟
يقتضي واقع القدس تجاوز حدود الشعارات إلى بناء سياسات عملية قابلة للتنفيذ والقياس، يبدأ المسار من التعليم بإنشاء صندوق منح دراسية عربية دائم يحمي مقاعد الطلبة ويمنع تسربهم، مع ربط المدارس المقدسية بالجامعات العربية عبر المنصات الرقمية وبرامج التبادل، ويمتد إلى الصحة من خلال صندوق يغطي النفقات التشغيلية للمستشفيات، وتوريد الأجهزة الحديثة، وتفعيل التوأمة مع مستشفيات عربية كبرى لضمان استمرارية الخدمات، كما يشمل دعم الاقتصاد المحلي عبر تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا في الحرف التقليدية والسياحة المجتمعية، لخلق فرص عمل وتعزيز بقاء الأسر، ويضاف إلى ذلك تمكين الأزواج الشابة بمشاريع إسكان موجهة وقروض ميسّرة، كأداة لمواجهة الطرد والتهجير، ولا يقل أهمية دعم الثقافة والهوية باعتبارها خط الدفاع الأول، عبر تمويل الإنتاج الفني والرقمي وإطلاق منصات عربية لنشر الرواية الفلسطينية عالميًا، غير أنّ هذه الجهود لن تحقق أثرها ما لم تُدار ضمن حوكمة شفافة تنقل الدعم من المكرمات إلى الحقوق، وتخضع للتدقيق والإفصاح العلني، لتبرهن أن التعاطف العربي قادر على التحول إلى سياسات صمود مستدامة.
أدوات مبتكرة وأسئلة للقياس
يفرض الواقع البحث عن أدوات تتجاوز حدود الدعم التقليدي وتكسر رتابة الخطاب الاحتفالي، عبر بناء شراكات مؤسسية حقيقية بين الجامعات والمستشفيات والمراكز الثقافية العربية ونظيراتها المقدسية، بحيث تتحول هذه الروابط من بروتوكولات شكلية إلى تعاون فاعل يتبادل الموارد والخبرات والمعرفة، ويأتي التحول الرقمي كضرورة لا غنى عنها، من خلال الاستثمار في التعليم الإلكتروني الذي يربط الطلبة المقدسيين بأقرانهم في العالم العربي، وأرشفة الموروث الثقافي لحمايته من الطمس، وإنتاج محتوى عالمي يعكس الرواية الفلسطينية بلغة العصر، ويُقاس أثر هذه الأدوات بعدد الشراكات الفاعلة التي تُبنى، وحجم المحتوى الرقمي الذي يُنتج ويُنشر، ونسبة الوصول إلى المنصات العالمية، غير أن الانتقال من الرمزية إلى الفعل يظل مرهونًا بطرح أسئلة قياس واضحة: كم مدرسة تُحمى من الإغلاق؟ كم منحة جامعية تُموّل؟ كم سريرًا يُضاف إلى المستشفيات؟ كم وظيفة تُستحدث للشباب؟ وكم مبادرة ثقافية تُحافظ عليها؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تحدد إن كان الدعم العربي سيتحول إلى فعل يعزز صمود المقدسيين أم سيبقى أسير الرمزية.
اختبار صدقية الخطاب العربي
تختبر القدس يوميًا صدقية الخطاب العربي، لا بما يقال في المؤتمرات أو يُمنح من ألقاب، بل بما يُنفذ على الأرض من سياسات عملية قابلة للقياس والمحاسبة، فلم تعد المدينة بحاجة إلى عناوين رمزية أو فعاليات موسمية عابرة، بل إلى خطط ملموسة تحفظ مدارسها من الإغلاق، وتبقي مستشفياتها عاملة، وتفتح فرص عمل كريمة لشبابها، وتدعم فضاءها الثقافي كخط دفاع أول عن هويتها، سيبقى صمود المقدسيين راسخًا، لكن استدامته مرهونة بقدرة العرب على تحويل الرمزية إلى فعل، والمؤتمرات إلى استراتيجيات، والكلمات إلى أرقام واضحة تُقاس وتُحاسب، فالقدس اليوم لا تنتظر شعارات جديدة، بل التزامًا يثبت أنّها ليست وحيدة.
ב 15 ספט 2025 9:20 am - שעון ירושלים
القدس بين الشعارات والسياسات: هل يتحول الدعم العربي إلى صمود فعلي؟
مالك زبلح





שתף את דעתך
القدس بين الشعارات والسياسات: هل يتحول الدعم العربي إلى صمود فعلي؟