تشهد المنطقة منعطفا سياسياً، حيث تتقاطع ملفات الضم من جانب تل أبيب في الضفة مع مواقف إقليمية ودولية آخذة بالتشكل مع اقتراب "اليوم التالي"، وفي هذا السياق، برز الموقف الإماراتي الأخير، وربما كعامل ضغط مؤثر، لكنه في الوقت ذاته يطرح أسئلة حول حدود جديته وتناقضاته.
منذ سنوات، والضم يتحقق فعليا على الأرض، الاستيطان يتوسع بشكل غير مسبوق، والأراضي تصادر، والحواجز وبنى تحتية جديدة تقطع أوصال الضفة، وتعزل القرى والمدن الفلسطينية، وتكرس السيطرة، وما كان ينظر إليه كاحتمال مستقبلي، اصبح واقعا يوميا معاشا، فيما يبقي الاعلان الرسمي عنه مجرد خطوة "شكلية" اضافية.
الجديد أن تل أبيب كانت تستعد لتثبيت هذا الواقع عبر نقاش حكومي يشرعن الضم، وهو ما فجر تحذيرا إماراتيا علنيا، واصفا الضم بانه "خط احمر" يهدد اتفاقات التطبيع، هذا التحذير ربما سبقته اخرى من تحت الطاولة، لكنه حين خرج الى العلن، ادى مباشرة الى سحب البند من جدول اعمال حكومة نتنياهو، ظاهريا على الاقل.
رسالة أبوظبي فهمتها تل أبيب على أنها رسالة الرياض، خصوصا أنها جاءت بعدما تجاوز الاحتلال كل خط أحمر ممكن في عدوانه على غزة، فضلا عن الإبادة والتجويع، وبذلك بدا واضحا أن ورقة التطبيع ليست ضمانة دائمة، او مضمونة، وربما تتحول أداة ردع، أو استخدامها في لحظات سياسية فاصلة.
في خلفية هذا التحرك، تشعر ابوظبي اليوم انها مطمئنة اكثر الى ان نفوذ اعدائها التاريخيين في المنطقة، ايران والاخوان، تم كبح جماحه، وهو ما ترى فيه فرصة "تاريخية" للتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية، فتحاول ان تمسك بخيوط التطبيع، ادراكا منها ان تل أبيب تسعى الى بوابة الرياض، فتضع شروطها وتلوح بخطوطها الحمر.
لكن الموقف الاماراتي لا يخلو من التناقض، ففي الوقت الذي تستخدم فيه ورقة "ابراهام" للضغط، كانت ايضا امدت تل ابيب بمعونات اقتصادية وغيرها، وابقت على شراكاتها قائمة طوال سبعمائة يوم من العدوان المستمر على غزة، هذه الازدواجية، والتحذير الاخير، تعكسان محاولتها للموازنة بين ضغط الشارع العربي من جهة، والحفاظ على "مصالح استراتيجية" مع كل من واشنطن وتل ابيب من جهة اخرى.
في موازاة ذلك، تتحرك السعودية وفرنسا على خط مختلف، يتمثل في الدفع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، او تمرير قرارات داعمة في الامم المتحدة، هذا التحرك يتجاوز المنع التكتيكي للضم الى بناء سقف سياسي جديد، يرفع "كلفة" استمرار تل ابيب في فرض سياسة الامر الواقع، ومع اقتراب انعقاد الجمعية العامة، تزداد المؤشرات على ان جبهة عربية - أوروبية تتشكل لمواجهة اي محاولة لتقنين الضم.
فلسطينيا، هناك اعادة تموضع، فبعد قطيعة علنية مع الامارات، عادت السلطة والقت بكل اوراقها على الطاولات الخليجية، مدركة ان المرحلة اصبحت حرجة، والخيارات محدودة جدا، ورسالتها الضمنية؛ ان الخروج من "اللعبة" الان سيكون خروجا نهائيا، لذلك جاءت زيارة الشيخ الى الرياض، في محاولة لاعادة السلطة الى قلب الحراك العربي، واغاثتها ماليا، فيما اعاد تعيين سفيرة لفلسطين في ابوظبي فتح قنوات تأثير هناك، هذان التطوران يمنحان السلطة الفلسطينية غطاء خليجيا، وربما يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
الولايات المتحدة التي نادت لعقود بحل الدولتين، موقفها اليوم بدا مختلفا كليا، فلم يعد حل الدولتين حاضرا على طاولة البيت الابيض، ولم يعد بالضرورة مرتبطا بحدود فلسطين التاريخية، فالدولة الفلسطينية وفق الرؤية الاميركية "الجديدة" يمكن ان تكون جزئيا على الاراضي التي احتلت عام 1967، او ربما - وهو الاخطر - بعيدا عن فلسطين كليا، كحل اقليمي يتجاوز حوق الفلسطينيين في وطنهم.
وبالتالي، فالمنطقة على أعتاب مرحلة جديدة، فاما ان يترجم الموقف الاماراتي- السعودي- الفرنسي والفلسطيني الى مكاسب حقيقية في الأمم المتحدة، وعلى الأرض، او ان تضيع اللحظة لصالح استمرار الضم الزاحف بلا ردع فعلي، وما ستؤول إليه الأمور سيحدد شكل المرحلة المقبلة.





שתף את דעתך
أبو ظبي ورسالة الرياض غير المعلنة!