يبدو في الظاهر أن هناك فجوة واسعة بين لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي التابعة لمنظمة التحرير، وحركة المقاطعة العالمية BDS. الأولى تُتهم بشرعنة الحوار وإدخال الفلسطيني في لعبة اللقاءات الرمزية، والثانية تقدم نفسها بوصفها قلعة الرفض والمقاطعة والعزلة. غير أن التدقيق يُظهر أن الخلاف بينهما ليس جوهرياً كما يشاع، بل يتعلق باللغة والأسلوب، بينما الجوهر واحد، فتح الباب للقاء مع الإسرائيليين وفق شروط ومعايير محددة.
لجنة التواصل تنطلق من رؤية سياسية رسمية، ترى في اللقاء وسيلة للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي، وسبيلا لإقناع جزء من المجتمع هناك بجدوى حل الدولتين. الشرط هنا فضفاض، يكتفي بأن يكون الطرف المقابل مناهضاً لليمين المتطرف أو متعاطفاً مع الخطاب الفلسطيني، ما يجعل اللقاء مشروعاً وضرورياً ضمن العمل الدبلوماسي.
أما BDS، التي ترفع راية الرفض الجذري والتصعيد المدني ضد إسرائيل، فإنها لا تغلق الباب بالمطلق، بل تفتحه على نحو مختلف، عبر ما تسميه "المعايير". والمفارقة الصارخة هنا، والتي تستحق الوقوف عندها، أن هذه الحركة لا تضع معايير للحرب أو لمقاومة الاحتلال المسلحة، بل فقط للقاء مع الإسرائيليين. أي أن رفضها الجذري على مستوى الخطاب لا يمتد إلى ساحة العمليات، بل ينصب على من يمكن الكلام معه وكيفية اللقاء، وهو ما يكشف أن ما يبدو رفضاً مطلقاً هو في الحقيقة ضبط دقيق لشروط الحوار، وليس موقفاً من أشكال المقاومة. فالمشكلة ليست في اللقاء ذاته، بل في طبيعة الإسرائيلي الذي يلتقى به، ويجب أن يكون معارضا للاحتلال ومعترفا صراحة بحقوق الفلسطينيين، عندها يصبح اللقاء ممكناً.
ومن المفارقات اللافتة أيضا أن معيار BDS القائل إن "النضال المشترك مع القوى الإسرائيلية المعادية للصهيونية ضد الاحتلال والأبارتهايد ليس تطبيعا" كان سبباً للجدل سابقاً، حيث رفضه بعضهم واعتبروه تطبيعا، فيما يُقبل اليوم ضمن إطار BDS أو يُسكت عنه، بينما اتهمت المنظمة والفصائل حينها بالتطبيع بسبب هذه الفكرة، ما يوضح أن الاختلاف الحقيقي كان في المصطلحات لا في الجوهر السياسي.
ما يبدو تضاداً صارخاً بين لجنة التواصل وBDS لا يتجاوز لعبة الألفاظ، الأولى تقول "السياسة تفرض اللقاء"، والثانية تقول "المعايير تسمح باللقاء"، لكن النتيجة واحدة، الإسرائيلي ليس محرماً بل مشروط. فالمقاطعة التي تتغذى على خطاب الرفض تنتهي إلى إدارة شكل اللقاء، والتواصل الذي يرفع راية الحوار ينتهي إلى الهدف نفسه، كلاهما يشرعن الكلام مع المحتل، ويختلف فقط في صياغة الدعوة إلى الطاولة، ما يعكس وحدة الحال الجوهرية رغم تعدد القواميس والمصطلحات.
وسواء عبر التواصل الرسمي أو من خلال المقاطعة، الهدف واحد، إدارة اللقاء مع الإسرائيلي وفق شروط محددة، دون المساس بالجوهر السياسي الفلسطيني، مؤكداً حق الفلسطينيين في المقاومة المشروعة، والرفض الجذري للاحتلال، والانفتاح على من يقف مع هذا الحق، دون أن يتحول ذلك إلى ما يسمى تطبيعاً





שתף את דעתך
معايير للقاء لا للحرب .. خلاف في القاموس لا في الجوهر