اجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع صهره جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في البيت الأبيض، وهو اجتماع يحمل دلالات سياسية عميقة تتعلق بمستقبل غزة بعد الحرب. النقاشات التي دارت خلال الاجتماع لم تكن مجرد بروتوكول، بل كانت بمثابة رسم ملامح 'اليوم التالي' في غزة، قبل أن تتوقف الحرب أو تُعالج المأساة الإنسانية المتفاقمة.
تتمحور النقاشات حول كيفية إدارة غزة بعد الحرب، بحيث يتم استبعاد حركة حماس، مع الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية، ومنح الولايات المتحدة القدرة على توجيه مسار المنطقة. كوشنر، الذي ارتبط اسمه باتفاقيات أبراهام، يسعى الآن لإعادة توظيف علاقاته مع العواصم الخليجية لتأمين تمويل ضخم لإعادة الإعمار.
تظهر خبرة كوشنر أنه يفضل مقاربة اقتصادية، حيث يروج لفكرة 'السلام عبر الازدهار'، والتي تعني تقديم مشاريع استثمارية وبنى تحتية كبرى كبديل عن الحلول السياسية. هذه الرؤية، التي فشلت سابقًا، تعود الآن في صيغة جديدة تهدف إلى إعادة بناء غزة دون تغيير قواعد اللعبة السياسية.
أما توني بلير، فهو يمثل 'العقل الغربي المؤسسي'، وقد يُستدعى لتصميم هياكل حكم انتقالية في غزة وتنسيق أموال المانحين. لكن تاريخه في فلسطين يثير تساؤلات حول قدرته على تقديم شيء مختلف هذه المرة، أم أنه سيظل مجرد واجهة لتسويق رؤية أمريكية-إسرائيلية.
تجري هذه النقاشات في وقت لا تزال فيه حماس والمقاومة موجودة ميدانيًا وسياسيًا، بينما تغرق غزة في مجاعة غير مسبوقة وانهيار شبه كامل للخدمات. الحديث عن إعادة إعمار وحوكمة مستقبلية يبدو في هذا السياق نوعًا من القفز إلى الأمام، حيث يتجاهل الواقع الفعلي ويحاول فرض هندسة سياسية على ركام الحرب.
غزة ليست مجرد ملف إعادة إعمار، بل بؤرة قضية وطنية لم تُحل منذ عقود.
أي مشروع من هذا النوع سيواجه سؤال الشرعية الفلسطينية والإقليمية. فبالنسبة للفلسطينيين، يُعتبر كوشنر منحازًا لإسرائيل، بينما بلير محمّل بفشل سنواته في الرباعية. وبالتالي، أي صيغة لا تنبع من الإرادة الفلسطينية ستُنظر إليها كفرض خارجي.
حتى العواصم الخليجية، رغم قربها من واشنطن، لن تضع ملياراتها في غزة دون أفق سياسي واضح. الأموال وحدها لا تكفي لشراء الاستقرار، كما أن أوروبا قد تنخرط عبر بوابة بلير، لكنها لن تستطيع منح الغطاء لمشروع يتجاهل جذور الصراع.
من منظور واشنطن، يبدو أن إشراك كوشنر وبلير يهدف إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية عبر تهميش حماس وإضعاف السلطة الفلسطينية، وتحويل غزة إلى ملف إنساني-إداري يمكن إدارته عبر التمويل الخارجي. لكن هذه الحسابات تغفل حقيقة أن أي مشروع يتجاوز الفلسطينيين سيظل هشًا.
قد ينجح كوشنر وبلير في إدارة مرحلة انتقالية أو في ضمان تدفق أموال المانحين، لكنهما لن ينجحا في فرض استقرار دائم أو تجاوز جذور الصراع. إن محاولة إدارة القطاع كمسألة إنسانية أو إدارية معزولة عن القضية الفلسطينية الكبرى لن تؤدي إلى سلام أو أمن، بل ستعيد إنتاج الأزمة.





שתף את דעתך
كوشنر وبلير: هندسة ما بعد الحرب في غزة أم إعادة إنتاج الأزمة؟