في زمنٍ تحوّل فيه الدم الفلسطيني إلى خبرٍ عاجلٍ عابر، يأتي هذا العدد من الملحق الثقافي لجريدة "القدس" الفلسطينية ليكسر رتابة المشهد، وليعلن أن الثقافة ليست ترفاً يليق بالمناسبات ولا تزييناً للهوامش، بل هي خندق مقاومة وذاكرة متجددة وحصن ضد النسيان، ففي صفحاته تتجاور المقالة السياسية مع النص الشعري ويقف التحليل الاقتصادي جنباً إلى جنب مع العرض المسرحي وتلتقي الافتتاحية الناقدة مع الصوت الأدبي الحالم، حتى تبدو الجريدة كأنها مدينة من الكلمات تسكنها الأرواح المقاومة، وتنهض على أكتاف الشعراء والمفكرين والفنانين، مدينة تكتب فلسطين كما هي: وطنٌ من جمر ودم وأحلام لا تموت. إنّ ما يميز هذا العدد هو أن محرريه لم يكتفوا بنقل الحدث، وإنما اجتهدوا في تأصيله وربطه بالذاكرة الجمعية، واستدعاء رموز الشعر والفن في مواجهة الإبادة والتجويع والتهجير، وفي ذلك تتجلى روح فلسطين التي لا تنكسر، فصفحات العدد تشهد على وعي عميق بأن الاحتلال لا يواجِه بالسلاح وحده، وإنما يواجه بالكلمة والقصيدة والمسرح واللوحة وكل ما يحفظ للإنسان الفلسطيني إنسانيته في قلب الخراب.
في مقالته اللافتة يكتب زياد خداش عن السخرية التي لا يصدأ نصلها، مستعيداً هذا الفن الذي طالما كان مرآة للمقهورين، وسلاحاً غير مرئي في يد من يواجهون العسف والقتل، ويثبت أن السخرية في لحظة القهر تتحول إلى سيف حاد يجرح صورة المحتل ويُفكك خطابه، فهي مقاومة لا تقل شرفاً عن المقاومة المسلحة، لأنها تفضح الاحتلال وتجرّده من قدسيته المزيفة.
أما سميح محسن، فيُطل علينا عبر نصه "الراهب في محراب الشعر"، مكرساً صورة الشاعر ككائن ناسك يعبد اللغة في محرابٍ مقدس، مستذكراً أن الشعر في فلسطين لم يكن يوماً ترفاً وإنما كان دوماً ديوان المقاومة ومتن الذاكرة، فالراهب هنا ليس معزولاً عن العالم بل هو صوت الأرض يرنّم صلاتها في مواجهة من يريدون محوها. ويأتي خالد جمعة في نصه "لسان المدينة المنكوبة" ليجسد المدن الفلسطينية ككائنات حية تنطق بالدم والرماد، يصفها بلسانٍ مثخنٍ بالجراح لكنه ممتلئ بقدرة مذهلة على الحياة، فيصير النص نفسه شاهداً على مدينة لا تستسلم رغم ما حلّ بها من نكبات.
ومن السياسة المشتبكة إلى النقد العميق يدخلنا بكر أبو بكر إلى دهاليز العلاقة الملتبسة بين السلطة والمقاومة، محذراً من الوقوع في ثنائية زائفة تضعهما في خانة الأعداء المطلقين، وهو إذ يسخر من أولئك الذين يحصرون فعل المقاومة في الشتائم والاتهامات عبر الشاشات فيسميهم "ثوار المؤخرة" و"ثوار لوحة المفاتيح"، فإنه يفضح وعياً زائفاً يحوّل البطولة إلى شعارات خاوية، مؤكداً أن المقاومة ليست ملكاً لفصيل ولا حكراً على قائد، بل هي سمة الشعب الفلسطيني بأسره، وأن السلطة مهما اعتراها من عطب تبقى ضرورة مرحلية حتى لا يُترك فراغ الحكم للاحتلال أو للفوضى.
وفي الاتجاه نفسه يكتب مروان إميل طوباسي عن جدلية العلاقة بين النظام السياسي الفلسطيني ومسار الأحداث التاريخية، مستشهداً بمقال د. إياد البرغوثي، ليؤكد أن مفهوم "اليوم التالي" بعد حرب الإبادة يجب أن يتجسد في إعادة ترتيب الديناميات السياسية الداخلية وخلق تحديات وفرص جديدة لاستكمال مرحلة التحرر الوطني، محذراً من أن سيناريوهات التقسيم وفصل غزة عن الضفة ليست مجرد فرضيات سياسية، بل مشاريع استعمارية تستهدف إجهاض الحلم الفلسطيني، وهو إذ يكتب هذه الكلمات في قلب الجرح يعلن أن اليوم التالي ليس انتظاراً، بل معركة أخرى على الوعي والتنظيم والوحدة.
وفي بُعد آخر يضيء د. عقل أبو قرع على جبهة الاقتصاد، متناولاً معركة المنتج الوطني في مواجهة الاحتلال، فيقول: "ما من شك أن المنتجات الوطنية التي يتم إنتاجها محلياً... قد تطورت وتحسنت من ناحية الجودة والنوعية، لكنها لم تستطع حتى الآن الاستحواذ على أولويات المستهلك الفلسطيني"، وهذه الشهادة تكشف معضلة وعي استهلاكي يحتاج إلى تأطير وطني حتى يصبح الإقبال على المنتج المحلي فعلاً مقاوماً وليس مجرد شعار، فالاستهلاك هنا يتحول إلى سلاح في معركة الاستقلال الاقتصادي، والرغيف المحلي يصير بندقية صامتة، والدواء المصنع في مختبر فلسطيني يغدو علماً مرفوعاً فوق الخراب.
لكن العدد لم يقتصر على السياسة والاقتصاد، بل أفسح مكاناً للشعر والمسرح ليقول إن الجمال أيضاً مقاومة، ففي ذكرى محمود درويش السابعة عشرة كتب د.أحمد الطيبي مؤكداً أن "الشاعر كان "قارئاً دقيقاً للمستقبل"، استبصر انقساماتنا وخيباتنا قبل وقوعها، محولاً الحدث الآني إلى رؤية كونية، فقصيدته لم تكن جغرافيا محدودة، بل كانت كياناً روحياً وحضارياً، بلداً موازياً يسكن في اللغة ويصمد فيها"، فيما يؤكد الكاتب المقدسي محمود شقير أن درويش "لم ينسَ كل المظلومين على هذا الكوكب الأرضي، الشاعر الذي صاغ همومهم وتطلعاتهم من خلال صياغته للقضية الفلسطينية"، وهنا يتجلى درويش بوصفه ضمير الإنسانية جمعاء لا شاعر وطن واحد. وتأتي الأديبة ديما السمان لتقول إن درويش "التقط ملامح التبدلات الكبرى"، مؤكدة أنه حين كتب "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" كان يؤسس لوعي لا تستهلكه اللحظة، بل يتجاوزها إلى الأبد.
أما المسرح، فقد حضر عبر عمل "زياد فوق جبل النورس" الذي أخرجه فتحي عبد الرحمن وقدّم على خشبة المسرح البلدي برام الله، حيث جسّد قصة طفل وُلد بلا أجنحة في مدينة كل سكانها يطيرون، فواجه سخرية زملائه وتنمرهم حتى قرر أن يدفن كتبه، لكنه يجد في صديقة مخلصة سنداً يتيح له أن يكتشف أن الطيران ليس بالجناحين فقط بل بالإرادة والروح، وهذه المسرحية جاءت كرمزية عميقة للفلسطيني الذي وُلد في عالم من الاحتلال والنقص لكنه يجد في إصراره وقدرته على المقاومة أجنحة بديلة تحمله فوق الخراب.
ولم يغب الحضور الخارجي لفلسطين عن صفحات العدد، فقد وثق الملحق تكريم ستة من شعراء فلسطين في فنزويلا بوسام "أندريس بيّو"، وهم: علي العامري، ناجي الناجي، غادة خليل، أحلام بشارات، نبيهة الرازي، عبد الرزاق، بوفد ترأسه الشاعر مراد السوداني الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، وفي هذا التكريم العالمي دلالة على أن الكلمة الفلسطينية قادرة على اختراق الحصار والوصول إلى أبعد العواصم، وأن الشعر لا يزال بندقية لا تخطئ هدفها حين تُطلق من فم المقهور.
إن اجتماع هذه الأسماء في عدد واحد: زياد، سميح محسن، خالد جمعة، بكر أبو بكر، عقل أبو قرع، مروان إميل طوباسي، إياد البرغوثي، محمود شقير، أحمد الطيبي، ديما السمان، فتحي عبد الرحمن، مراد السوداني، علي العامري، ناجي الناجي، غادة خليل، أحلام بشارات، نبيهة الرازي، عبد الرزاق، هو بحد ذاته فعل مقاومة ثقافية، لأنه يجمع أصواتاً من مشارب مختلفة على وحدة الكلمة والقصيدة والفعل، وهو ما يعكس إصرار الملحق على أن يكون ساحة لقاء لا ساحة انقسام، ومنبراً لكل ما يعيد لفلسطين صوتها الموحد في زمن التشظي.
والحق أن ما أنجزه محررو هذا العدد لا يقل قيمة عن أي معركة ميدانية، فالجهد المبذول في جمع هذه النصوص وتحريرها وتنسيقها وتقديمها بهذا الشكل يثبت أن الصحافة الثقافية الفلسطينية لا تزال على العهد، قادرة على تحويل صفحاتها إلى صروح ذاكرة وخنادق مواجهة، وإلى منصة يطل منها العالم على وجه فلسطين الآخر: وجهها المبدع، الحالم، المقاوم بالكلمة. إن تثمين هذا الجهد واجب، لأنه يكشف وعياً بأن الثقافة ليست زينة وإنما ضرورة، وليست ترفاً وإنما سلاح، وأن من دونها يضيع الشعب في متاهة النسيان.
بهذا المعنى، فإن العدد الثقافي لجريدة "القدس" لا يُقرأ كصحيفة عابرة بل كوثيقة مرحلة، وثيقة سياسية تحذر من الانقسام وتدعو إلى الوحدة، وثيقة اقتصادية تدعو إلى دعم المنتج الوطني، وثيقة جمالية تحتفي بالشعر والمسرح، وثيقة إنسانية تعيد الاعتبار للمظلومين جميعاً، إنه عدد يكتب فلسطين بدمها وخبزها وقصيدتها، ويعلن أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.






שתף את דעתך
"درة التاج".. حين تصير الصفحات خنادق مقاومة وصروح ذاكرة