ה 28 אוג 2025 9:55 am - שעון ירושלים

رام الله... من الوهم السياسي إلى وعي الشارع

أمين الحاج

اجتياح رام الله لم يكن الأول، كما لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل مشهد سياسي أظهر مدى هشاشة الواقع الفلسطيني، اقتحم الاحتلال قلب العاصمة المؤقتة، وصادر الممتلكات، عربد واعتدى، وأصاب واعتقل، وترك وراءه صورة عارية لمدينة لم يعد يحميها اتفاق، ولا رمز سيادي، عملية لم تهز فقط رمزية رام الله كعاصمة سياسية، بل كشفت كذلك عجز مؤسسات ولدت ذات يوم من رحم اتفاقات كبرى، لكنها اليوم تبدو كواقع مر، يمر الاحتلال فوقه دون اكتراث.

 

رد فعل الشارع كان غريبا جدا، وبالغ الدلالة، لم يتجسد في بيانات او احتجاجات، بل في موجة من السخرية المرة، انقسم الفلسطينيون بين متندر وآخر مستاء، فتندر الفلسطينيين – مؤخرا - أصبح التعبير الأدق عن شعورهم العميق بالعجز العام، وعن فقدان الثقة في قدرة البنية السياسية القائمة على حماية ذاتها او مواطنيها، النكات التي انتشرت عبر وسائل التواصل ليست مجرد دعابات، بل مؤشرات على ان الشارع يرى الفجوة تتسع بين واقع الاحتلال على الارض، وبين لغة الخطاب الرسمي، الذي يكرر عبارات لا تجد صدى.

 

هذه السخرية تكشف وعيا سياسيا صريحا؛ وتجربة سياسية، خلاصتها ان خيار الانحناء للعاصفة لم يجد نفعا، لعقود، قيل ان العض على الجراح، والتنازل المؤقت، هما الطريق لاستقرار أكبر، لكن العاصفة لم تهدأ، ولا يبدو انها كذلك، بل ازدادت قوة، تقتلع جذور كيان كامل ظن انه قادر على النجاة بتأجيل المواجهة، فالسخرية هنا ليست استخفافا بالواقع، بل تعبير عن إدراك بأن ما بني على الوهم لا يصمد امام قوة متغطرسة، وبأن انتظار حلول خارجية، او معجزات سياسية، صار ضربا من العبث.

 

اجتياح رام الله لم يكن حادثة منفصلة، بل تتويج لمسار طويل من الاجتياحات والقرصنة والنهب، من جنين إلى نابلس إلى طولكرم، الجديد هو انه طال قلب العاصمة السياسية، بما تمثله من رمزية ومكانة، وهو ما جعل الصدمة أكبر، والانعكاسات أعمق، بدأ بنهب الأموال، ثم طال مفهوم السيادة، بات أقرب الى الوهم الذي يتهاوى كل يوم، ما يعكس غياب قدرة على توفير الحماية لأي كان.

 

ومع كل ذلك، فالشعب يظهر مرة اخرى انه الاقدر على تحويل الازمات الى وعي جديد، السخرية التي انتشرت ليست هروبا من الواقع، بل مواجهة مختلفة له، تعلن ان الشرعية لا يمكن ان تظل حبيسة غرف مغلقة، وان مصدرها هو الشارع، حيث يولد فعل المقاومة والصمود، ومن هنا، فان التندر الشعبي هو الوجه الآخر لإدراك جمعي بأن المسارات التقليدية وصلت الى نهايتها.

 

المستقبل لن يرسم عبر انتظار الوسطاء، ولا عبر خطابات متكررة، بل عبر عودة الفعل الى قواعده؛ الشعب، باللجان الأهلية، والشبكات المجتمعية، والتنظيمات القاعدية، كلها تشكل اليوم البنية الأكثر صلابة في مواجهة واقع الاحتلال، وهي وحدها القادرة على إعادة بناء مفهوم السيادة من جديد، فحين يتحول التندر الى رفض، والمرارة الى فعل، يصبح الشعب هو من يكتب الكلمة الأخيرة.

 

هذه العاصفة ليست عابرة، ومن ظن انه قادر على النجاة بالانحناء سرعان ما اكتشف انه يقتلع من جذوره، هذا الشعب الذي واجه النكبات والاجتياحات والحصار، أثبت مرارا قدرته على إعادة إنتاج ذاته وصياغة وعي جديد، فالسخرية ليست سوى دليل على ان الناس ما زالوا يملكون الكلمة، وان الشرعية والسيادة لا تمنح من الخارج، ولا تشترى بالمال، بل تصنع في الشوارع والميادين، بين الجماهير التي تؤمن ان العاصفة، مهما اشتدت، لا تستطيع اقتلاع شعب بأكمله.

תגים

שתף את דעתך

رام الله... من الوهم السياسي إلى وعي الشارع

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.