د. أحمد رفيق عوض: الحكومة الإسرائيلية نجحت في امتصاص غضب المحتجين وتوظيف الحرب كذريعة لرفض أي ضغوط داخلية
أنطوان شلحت: التحول البنيوي في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين يفسر غياب أي تأثير للتظاهرات الحالية بخلاف ما جرى في حرب لبنان الأولى
محمد أبو علان دراغمة: التحركات الحالية لم تخفق فقط في الضغط على الحكومة بل تحولت إلى موضع اتهام من داخل الائتلاف الحاكم
د. سهيل دياب: اتساع رقعة التظاهرات لا يشكّل تأثيراً على نتنياهو لكنه يفتح مسارات ضغط غير مباشرة قد ترتد عليه لاحقاً
فايز عباس: الاحتجاجات داخل إسرائيل لم تعد قادرة على التأثير في قرارات الحكومة الحالية التي لا تكترث للرأي العام ولا لمطالب الشارع
ياسر مناع: أي حراك شعبي في إسرائيل لا يمكن أن يحقق أثراً ملموساً ما لم يستند إلى مشاركة النقابات والمجتمع المدني والقطاع الخاص
بالرغم من اتساع التظاهرات والاحتجاجات في إسرائيل ضد استمرار الحرب على قطاع غزة، فإن هذه التحركات لم تتمكن من إحداث تغيير ملموس في قرار الحكومة الإسرائيلية، بعكس ما كانت عليه من تأثير خلال حرب لبنان الأولى في ثمانينيات القرن الماضي.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن ضعف هذه التظاهرات يعود إلى غياب قيادة موحدة، وإلى الانقسامات والتحولات الداخلية العميقة في المجتمع الإسرائيلي، ما أفقدها القدرة على التحول إلى حركة ضغط مؤثرة، كما أن الحكومة نجحت في امتصاص الغضب الداخلي عبر توظيف الحرب كذريعة لتجاوز أي نقاش داخلي أو مساءلة سياسية، الأمر الذي جعل من الشارع أداة احتجاجية محدودة التأثير لا تتجاوز الرمزية.
ويشيرون إلى المقارنة مع احتجاجات الثمانينيات خلال حرب لبنان الأولى، حيث تمكنت آنذاك تظاهرات واسعة من إحداث انعطافة سياسية وتشكيل لجنة تحقيق أوصت بإقالة إقالة أرييل شارون، أما اليوم، فإن التحولات البنيوية في المجتمع الإسرائيلي باتجاه اليمين الديني والقومي، إلى جانب الغطاء الأمريكي الواسع لإسرائيل، جعلا من هذه التظاهرات غير قادرة على فرض معادلة جديدة أو التأثير في مسار الحرب الراهنة.
التظاهرات لم تحقق أي تأثير
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أنّ التظاهرات التي يشهدها الشارع الإسرائيلي ضد الحرب على غزة لم تحقق أي تأثير يُذكر على صعيد وقف الحرب أو إطلاق سراح الأسرى أو حتى نزع الشرعية عن الحكومة الحالية، مرجعاً ذلك إلى مجموعة من الأسباب البنيوية والسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي.
ويوضح عوض أنّ أبرز هذه الأسباب يتمثل في غياب قيادة سياسية موحدة لهذه الاحتجاجات، إضافة إلى انقسام الشارع الإسرائيلي على نفسه، وعدم قدرة المعارضة على صياغة برنامج سياسي أو اقتصادي جامع يمكن أن يلتف حوله الجمهور، كما أنّ المؤسسات الكبرى في إسرائيل لم تنخرط في هذا الحراك، ما أفقده الزخم اللازم لفرض ضغط حقيقي على الحكومة.
ويؤكد عوض أنّ الحكومة الإسرائيلية بدورها نجحت في امتصاص غضب المحتجين عبر طرح أولويات بديلة، فيما بقيت التظاهرات محدودة وغير قادرة على شل المجتمع أو تعطيل عمل الحكومة، خاصة مع استمرار الحرب وتوظيفها كذريعة لرفض أي ضغوط داخلية.
ويشير عوض إلى أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية تعتبر نفسها منتخبة، وبالتالي ترى أن أي تغيير سياسي يتم فقط من خلال صناديق الاقتراع أو حل الحكومة نفسها أو فشلها في تمرير الميزانية، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
ويلفت عوض إلى الفارق الكبير بين التظاهرات الحالية وتلك التي شهدتها إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب على لبنان، ففي تلك الفترة، كان المجتمع الإسرائيلي أكثر انسجاماً، واليسار أكثر حضوراً وقوة، كما كانت الحكومات أكثر هشاشة، ما أتاح للتظاهرات ذات الطابع "القيمي والأخلاقي" أن تترك أثراً ملموساً، أما اليوم، فقد تطور المجتمع الإسرائيلي باتجاه أكثر دينية وتوراتية، فيما أصبحت الحكومات يمينية متطرفة ومتماسكة، تعتقد أنها تمثل "الحق المطلق".
ويبيّن عوض أنّ الحساسية الأخلاقية داخل المجتمع الإسرائيلي تراجعت كثيراً مقارنة بالماضي، وأن حجم التظاهرات وانتشارها لا يقارن بما كان عليه في الثمانينيات.
التحولات الدولية
ويلفت عوض إلى أنّ التحولات الدولية، خاصة في الموقف الأمريكي، ساهمت في تعزيز هذا الواقع، إذ تحوّلت واشنطن إلى طرف أكثر يمينية وتطرفاً من بعض الحكومات الإسرائيلية نفسها، بينما في العقود الماضية كانت الإدارات الأمريكية تمارس ضغوطاً على إسرائيل وتبقي مسافة فاصلة معها.
ويؤكد عوض أنّ مجمل هذه العوامل تجعل من المظاهرات الراهنة مجرد وسيلة احتجاجية محدودة التأثير، غير قادرة على إحداث تغيير سياسي حقيقي في مسار الحرب أو في بنية الحكم الإسرائيلي.
حكومة نتنياهو ما تزال متماسكة حتى الآن
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أنّ التظاهرات الواسعة التي يشهدها الشارع الإسرائيلي مؤخراً، بما في ذلك الإضراب العام الذي أُطلق عليه "إضراب الشعب"، لم تنجح في التأثير على قرار الحكومة بوقف الحرب على قطاع غزة، رغم ما تسببه من ضغوط اقتصادية واجتماعية.
ويوضح شلحت أنّ حكومة بنيامين نتنياهو ما تزال متماسكة حتى الآن، والسبب الرئيس لهذا التماسك هو إصرارها على الاستمرار في الحرب، مشيراً إلى أنّ أي قرار بوقفها سيؤدي إلى تفكك الائتلاف الحكومي القائم.
ويبيّن شلحت أنّ هذه التظاهرات، رغم زخمها، ليست قادرة على إحداث تغيير في صناعة القرار الإسرائيلي بشأن مستقبل الحرب، مرجحاً أن يكون لموقف الإدارة الأمريكية دور أكبر في هذا المجال.
ضوء أخضر أمريكي
وبحسب تقدير شلحت، فإن استمرار إسرائيل في حربها وتنفيذ خطة احتلال غزة المعلنة من قبل قيادة الجيش الإسرائيلي يتمان بدعم وضوء أخضر من الإدارة الأمريكية الحالية.
ويقول شلحت: "حين يتغير الموقف الأمريكي يمكن أن نشهد انعطافاً في مسار الحكومة الإسرائيلية تجاه مستقبل الحرب، ولكن حتى الآن المؤشرات تدل على استمرارها".
ويرى شلحت أنّ إصرار الحكومة على مواصلة الحرب يرتبط كذلك باعتبارات سياسية وشخصية تخص مستقبل الائتلاف الحاكم ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يسعى لتأمين بقائه السياسي والشخصي عبر مواصلة العمليات العسكرية.
وفي مقارنته بين التظاهرات الراهنة وتلك التي شهدتها إسرائيل خلال حرب لبنان الأولى عام 1982، يوضح شلحت أن الفارق الجوهري يعود إلى طبيعة المجتمع الإسرائيلي نفسه، ففي تلك الحقبة، لم تكن القوى اليمينية المتطرفة – خصوصاً تيار الصهيونية الدينية، والتيار المسياني، وتيار الحريديم – تشكل الأغلبية داخل المجتمع، بل كان هناك حضور واسع لمعارك ليبرالية وأحزاب توصف باليسار الصهيوني، وهو ما مكّن المظاهرات آنذاك من فرض تأثير ملموس لا سيما بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، إذ رآها المجتمع الإسرائيلي حرباً عدوانية بادرت إليها حكومته، فتصاعدت المطالب بوقفها.
أما اليوم، فيشير شلحت إلى أنّ إسرائيل شهدت انزياحاً كبيراً نحو اليمين، بحيث باتت الخريطة السياسية تتوزع بين يمين متطرف واضح المعالم، ويمين تقليدي يختلف معه في الأسلوب لكنه يلتقي معه في المضمون، وأحزاب وسط أقرب في مواقفها إلى اليمين، بينما الأحزاب التي تبنت مواقف ليبرالية أو يسارية صهيونية لم يعد لها وجود فعلي أو تأثير يُذكر في صناعة القرار.
ويؤكد شلحت أنّ هذا التحول البنيوي في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين يفسر غياب أي تأثير للتظاهرات الحالية ضد حرب غزة، بخلاف ما جرى في حرب لبنان الأولى، حيث كان المزاج الداخلي قادراً على فرض انعطافة سياسية واضحة على القيادة الإسرائيلية آنذاك.
لماذا فشلت التظاهرات؟
يرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن التظاهرات التي يشهدها الشارع الإسرائيلي اليوم لا تترك أي أثر سياسي فعلي على مجريات الحرب في قطاع غزة أو على ملف استعادة الأسرى، مؤكداً أن تأثيرها "صفر تماماً".
ويوضح دراغمة أن هذه التحركات لم تفشل فقط في الضغط على الحكومة، بل تحولت إلى موضع اتهام من داخل الائتلاف الإسرائيلي الحاكم، حيث هاجمها وزراء بارزون مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وحتى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واعتبروها تخدم حركة حماس وتُهيئ الأجواء لـ"سبعة أكتوبر جديد".
وبذلك، بحسب دراغمة، باتت هذه التظاهرات تُصنّف في نظر الخطاب الرسمي الإسرائيلي كأنها "شريك" لحماس في الضغط على الحكومة من أجل صفقة تبادل.
ويفسر دراغمة غياب التأثير الحالي للتظاهرات مقارنة بما شهدته إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي، إبان الحرب على لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا، بالاختلاف الجوهري في طبيعة الصراع، فحينها، كان الاحتلال الإسرائيلي يعلن أنه لا يريد أرضاً من لبنان، بل يبحث عن الأمن من جنوبه، مدعياً أن وجوده هناك لتشكيل "حزام أمني" يمنع عمليات المقاومة، ومع ذلك، كانت خسائر الجيش الإسرائيلي بفعل المقاومة كبيرة، شملت عمليات استشهادية وتفجيرات استهدفت قياداته، من بينها تفجير مبنى قيادة قوات الاحتلال في صيدا الذي أسفر عن مقتل ضباط كبار، أحدهم كان مرشحاً لرئاسة أركان الجيش، حيث أن هذه الخسائر الثقيلة، إلى جانب الضغط الداخلي، دفعت إسرائيل للتجاوب مع الشارع والانسحاب لاحقاً من الجنوب اللبناني.
أما في غزة، بحسب دراغمة، فالوضع مختلف جذرياً، فالصراع مع الفلسطينيين قائم على الأرض والهوية، وليس على الأمن فقط كما كان في لبنان، كما أن ضربة السابع من أكتوبر 2023 أصابت إسرائيل في عمقها الأمني والاستخباري والعسكري، وكشفت فشلاً شاملاً، على عكس حرب 1982 التي جاءت تحت عنوان "سلامة الجليل" ووقف صواريخ الكاتيوشا.
تشبث نتنياهو بالبقاء السياسي
ويشير دراغمة إلى أن شخصية نتنياهو وطبيعة ائتلافه اليميني تجعله أكثر تشبثاً بالبقاء السياسي، حيث يرفض تشكيل أي لجان تحقيق في الفشل، بخلاف ما جرى بتوصية إقالة أريئيل شارون في الثمانينيات، ما يجعل نتنياهو يتجاهل الاحتجاجات تماماً.
ويؤكد دراغمة أن اختلاف طبيعة الصراع، وحجم الخسائر، والأطماع الإسرائيلية في غزة، إلى جانب حسابات نتنياهو السياسية، تجعل من التظاهرات الحالية غير مؤثرة، بل إن الحكومة تراها تهديداً داخلياً وليست قوة ضغط لتغيير السياسات.
الإسهام في تشكيل رأي عام عالمي أكثر إدانة لإسرائيل
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي، د. سهيل دياب، أن اتساع رقعة التظاهرات في الداخل الإسرائيلي لا يشكّل تأثيراً مباشراً على قرارات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكنه يفتح مسارات ضغط غير مباشرة قد ترتد عليه في وقت لاحق عبر أربعة محاور أساسية.
ويوضح دياب أن هذه الاحتجاجات، رغم محدودية أثرها الداخلي الفوري، تشجع أوساطاً إسرائيلية معارضة للحرب، خاصة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية، التي بات موقفها أكثر وضوحاً ضد توسيع العمليات العسكرية.
كما أن هذه الاحتجاجات، وفق دياب، تسهم في تشكيل رأي عام عالمي أكثر إدانة لإسرائيل، مستنداً إلى مقولة "وشهد شاهد من أهله"، خصوصاً في القارة الأوروبية.
أما التأثير الثالث، وفق دياب، فيتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تلقي هذه التظاهرات بظلالها على صانعي القرار داخل واشنطن، بما في ذلك أروقة الحزب الجمهوري، بينما يكمن التأثير الرابع في الشرخ العميق الذي أخذ يتسع داخل الجاليات اليهودية واللوبيات الصهيونية في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، إذ لم تعد هذه الأطر تنطق بسردية واحدة، بل انقسمت بين خطاب داعم للحرب وآخر معارض لها ولحكومة نتنياهو.
تحولات قد تخلق أدوات ضغط دولية وإقليمية
ويرى دياب أن هذه التحولات قد تخلق أدوات ضغط دولية وإقليمية على صانع القرار الإسرائيلي عبر الإدارة الأمريكية والأنظمة الغربية.
وفي مقارنته بين المظاهرات الحالية وتلك التي شهدتها إسرائيل خلال ثمانينيات القرن الماضي، يشدّد دياب على أن الفوارق جوهرية، فإسرائيل آنذاك كانت تدير الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بقيادة ليبرالية علمانية، بينما تسعى اليوم إلى حسمه تحت هيمنة التيار الصهيوني الديني، الذي شرعن شخصيات متطرفة مثل إيتمار بن غفير، في حين كانت شخصيات فاشية مثل مئير كاهانا تُقصى وتُمنع من دخول الكنيست، ليصبح أحفاد كهانا هم من يقودون إسرائيل.
ويلفت دياب إلى أن البيئة الدولية تغيّرت جذرياً؛ ففي الثمانينات كان النظام العالمي يقوم على توازن القوى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بينما تعيش إسرائيل اليوم في ظل هيمنة أمريكية أحادية تمنحها غطاءً سياسياً واسعاً.
ويشدد دياب على أن وجود شخصيات ذات نزعة شعبوية مثل دونالد ترمب ونتنياهو منح البعد الشخصي وزناً متزايداً في صناعة القرار السياسي، موضحاً أن تأثير الزعماء في الثمانينات لم يتجاوز 7%، لكنه قفز اليوم إلى نحو 30%، ما يجعل شخصيات كهذه عاملاً حاسماً في توجيه الأحداث.
استمرار الحرب بالرغم من الخسائر
يؤكد الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات المتصاعدة داخل إسرائيل لم تعد قادرة على التأثير في قرارات الحكومة الحالية، اليمينية الفاشية التي لا تكترث للرأي العام ولا لمطالب الشارع، إلا إذا كانت تخدم مصالحها السياسية الضيقة.
ويوضح عباس أن ما يميز المرحلة الحالية هو أنها المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي تتعرض فيها لعملية عسكرية واسعة النطاق –في إشارة إلى هجوم السابع من أكتوبر 2023– وتدفع ثمناً باهظاً من القتلى والجرحى والدمار، من دون أن تبادر الحكومة إلى الاستقالة أو إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية لاستخلاص الدروس ومحاسبة المسؤولين.
ويقول عباس: "على الرغم من حجم الخسائر، لم يستقل أي وزير أو مسؤول سياسي، ما يعكس طبيعة هذه القيادة التي لا تكترث حتى لعائلات القتلى أو المحتجزين".
ويشير عباس إلى أن حكومة اليمين الإسرائيلي تواصل عملياتها العسكرية وتصعيد قصفها على قطاع غزة، رغم المخاوف المتزايدة على حياة المحتجزين الإسرائيليين، وذلك بهدف تحقيق أهداف سياسية وعسكرية لم تتمكن من إنجازها حتى الآن، مؤكداً أن استمرار الحرب يأتي على حساب الأرواح ومصالح المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وفي مقارنة مع تجارب سابقة للتظاهرات التي تشهدها إسرائيل، يشير عباس إلى أن قادة إسرائيل في الماضي، حتى أولئك المنتمين إلى اليمين مثل مناحم بيغن، امتلكوا قدراً من "الاستقامة الشخصية والاحترام للمؤسسات القضائية والرقابية".
ويستشهد عباس بما حدث بعد مجزرة صبرا وشاتيلا والحرب على لبنان عام 1982، حين أدت خسائر الجيش التي تجاوزت 600 جندي، إضافة إلى المظاهرات الضخمة التي خرج فيها مئات الآلاف في تل أبيب، إلى استقالة بيغن بعدما أصيب بالاكتئاب والمرض، فيما أوصت لجنة التحقيق الرسمية آنذاك بإقالة وزير الأمن أرييل شارون ومنعه من تولي أي منصب يتعلق بالأمن.
ويشدد عباس على أن قيادة إسرائيل الحالية تفتقر لمثل هذه القيم، واصفاً إياها بأنها "عصابة سياسية هدفها البقاء في السلطة بأي ثمن"، في إشارة إلى رفضها تحمل المسؤولية عن نتائج الحرب وتصعيدها المستمر ضد الفلسطينيين في غزة.
غياب قيادة موحدة وبرنامج واضح للاحتجاجات
يؤكد الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن التظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها إسرائيل في الوقت الراهن تفتقر إلى القدرة على إحداث تغيير جوهري في مسار القرار السياسي، في ظل غياب قيادة موحدة تمتلك برنامجاً واضحاً ورؤية محددة.
ويوضح مناع أن أي حراك شعبي في إسرائيل لا يمكن أن يحقق أثراً ملموساً ما لم يستند إلى مشاركة واسعة تشمل النقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، لافتاً إلى أن هذه المكونات تمثل عناصر ضغط حقيقية على الحكومات المتعاقبة.
ويشير مناع إلى أن ما يجري اليوم يختلف جذرياً عن موجة الاحتجاجات التي شهدتها إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي، إذ إن السياق السياسي والاجتماعي للحرب الراهنة أكثر تعقيداً وتشابكاً، فالحرب الحالية تُقدَّم داخل المجتمع الإسرائيلي على أنها مبررة ومرتبطة مباشرة بحدث السابع من أكتوبر، الذي يصفه مناع بأنه شكّل "صدمة غير مسبوقة" للمجتمع الإسرائيلي.
وبحسب مناع، فإن مشاعر الخوف والرغبة في الانتقام التي أعقبت هذا الحدث منحت شرعية واسعة للسياسات العسكرية المتبعة، وهو ما انعكس في قبول جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي للرواية الرسمية للحكومة، الأمر الذي يحدّ من فاعلية التظاهرات في زعزعة الموقف السياسي أو في الضغط نحو تغيير ملموس.
ويؤكد مناع أن غياب هذه المقومات يجعل التظاهرات الراهنة محدودة التأثير، وغير قادرة على تكرار مشهد الاحتجاجات الشعبية التي تمكنت في مراحل سابقة من فرض أجندة سياسية مختلفة على صانع القرار في إسرائيل





שתף את דעתך
التظاهرات في إسرائيل.. لم تعد قادرة على التأثير وسط هيمنة اليمين