ב 25 אוג 2025 9:30 am - שעון ירושלים

اليوم التالي للضم...

أمين الحاج

الضم لم يعد مشروعاً مؤجلاً ولا تهديداً على الورق، بل واقع قائم يُفرض بصمت عبر القوانين والإجراءات الإدارية لدولة الاحتلال، غير أن الأخطر من الضم نفسه هو عجز الفلسطينيين عن مواجهته، وبالأخص سلطة حاصرت نفسها داخل إطار بيروقراطي ضيق، غارقة في تفاصيل التشكيلات والبيانات، وكأنها جهاز إداري منزوع الإرادة، لا حركة تحرر ولا مشروع دولة.
طوال أكثر من ثلاثة عقود، تعاملت السلطة الفلسطينية مع الزمن وكأنه رصيد مفتوح، راهنت خلالها على الشرعية الدولية وضغوط الخارج، وانشغلت في طقوس الحكم وإدارة الرتب والرواتب، فيما كان الاحتلال يغير الحقائق على الأرض بلا توقف، وبدت السلطة الفلسطينية كمن حبس نفسه طوعا في مكتب مكيف، يكتفي بالقرارات الشكلية وإدارة الملفات، ويصدر بيانات بلا جديد، بينما كانت الجرافات تجرف الأرض وتبني المستوطنات، فيما كانت منظومة الاحتلال تدير شؤون الضفة الغربية بمنطق السيادة الإدارية فضلاً عن العسكرية.
المفارقة أن اليوم التالي للضم سيكشف حجم الوهم الذي عاشته الحالة الفلسطينية الرسمية، إذ تصرفت بيقين جازم بأن السيناريو سيشبه اليوم التالي لحرب تنتهي حتماً بصفقة سياسية، أو بتسوية خططت لها بثقة من ظن أنه يقرأ المستقبل، لكنها اصطدمت بأن اليوم التالي للضم لم يكن عابراً، بل زمن مقيم وممتد، ثقيل ومتواصل، وأشد وطأة وقسوة، فانزلقت الأرض من تحت أقدامها كمن يفقد توازنه على منحدر، فوجدت نفسها عالقة في إطار إداري جامد مفرغ من مضمونه، وكل اجتماع أو تشكيل وقرار، بدا فجأة وكأنه عرض مسرحي بلا جمهور، وأوراق تتناثر على خشبة المسرح، فيما تنتزع الأرض شبراً بعد آخر، وكأن المشهد برمته يتحرك في اتجاه واحد بلا توقف.
هذا الانكفاء إلى الحيز الوظيفي المقيد لم يكن مجرد قصور عابر، بل تعبير عن مأزق بنيوي، إذ لم يبن استراتيجية مواجهة، ولم يستثمر في أوراق القوة الفلسطينية الحقيقية، وبدلا من ذلك، انحصر الجهد في إدارة يومية تحكمها سلطة احتلال وأموال المانحين، وساعة الضم، بدت بلا خيارات واضحة؛ فلا هي قادرة على منعه، أو التخفيف من آثاره، ولا حتى صياغة بديل واقعي.
نتيجة ذلك، وجد الفلسطينيون أنفسهم في واقع ممزق؛ جيوب معزولة تحاصرها البوابات والمستوطنات، واقتصاد مرتهن، وقيادات منشغلة في اعادة تدوير ذاتها، أو توريث مواقعها، وبينما كان الاحتلال يرسخ سيادته على الضفة، وجد الشعب نفسه محاصراً بين خطاب رسمي فقد قدرته على الإقناع، وحياة يومية تختنق تحت وطأة السيطرة، فيما بدت السلطة أقرب إلى جهاز بلدي متضخم، محصور في وظيفته الإدارية، يصرف الرواتب حين تتوفر، وينظم حركة المعابر حين يمكن، دون امتلاك القدرة على رسم افق وطني جامع.
والأخطر ان استمرار هذا النهج حوّلها من مشروع وطني إلى مجرد إدارة مقيدة تحت الاحتلال، تبقي الفلسطينيين في حالة انتظار دائم لـ "معجزة" خارجية تعيد الحقوق وتقيم الدولة، وما لم يحدث تحول جذري في البنية السياسية، فان النتيجة ستكون تكريس الضم كأمر واقع، فيما يستمر الانشغال بالطقوس الإدارية، وكأنها غاية قائمة بذاتها، لا أداة لخدمة المشروع الوطني.
وبذلك فإن خطة الضم لم تكشف وجه الاحتلال وحده، بل عرّت في العمق عجز البنية الفلسطينية الداخلية، وانكشاف الرهانات الخارجية، وإفلاس من راهنوا على الشكل لا الجوهر، أو على البروتوكول لا الفعل، واليوم، ومع تبدد الأوهام جميعها، لم يعد هناك متسع للمناورة؛ إما الاعتراف بحدود الواقع، أو التحرر من أسر الطقوس الإدارية، وإعادة تعريف الذات كجزء من حركة تحرر وطني تواجه مشروعاً استيطانياً، يهدد الوجود ذاته، وما بين هذا وذاك، يمضي الاحتلال قدماً بالضم، فيما الزمن لا ينتظر.

תגים

שתף את דעתך

اليوم التالي للضم...

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.