يدرك المتابع لمسار التحوّلات التي عصفت بالقدس خلال العقد الأخير، وتحديدًا منذ إعلان الإدارة الأمريكية في السادس من كانون الأوّل/ديسمبر 2017 اعترافها بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، أن ذلك لم يكن حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل نقطة تحوّل مفصلية غيّرت قواعد اللعبة سياسيًا ورمزيًا، ورغم الرفض الدولي الواسع، سارعت غواتيمالا إلى نقل سفارتها بعد يومين، وتبعتها باراغواي لفترة وجيزة قبل أن تتراجع، فيما افتتحت كوسوفو سفارة لها، وأعلنت دول أخرى نيتها القيام بالمثل. وبذلك، منح هذا الإعلان إسرائيل غطاءً سياسيًا غير مسبوق لتسريع الاستيطان وإعادة هندسة الحيّز المكاني والبشري للمدينة، وفي عام 2018، أطلقت النسخة الأولى من الخطة الخماسية (2018–2023) تحت شعار "سد الفجوة" بين شطري المدينة، مسوّقة ذلك عالميًا كنموذج "للمدينة المختلطة" وعنوان للتعددية والتعايش، بينما تخفي في جوهرها مشروعًا لإعادة صياغة هوية القدس بما يخدم الرؤية الإسرائيلية ويقوّض ركائز وجودها الفلسطيني والعربي.
• - المدينة المختلطة، (المفهوم والمخاطر الكامنة)
يُقدَّم مصطلح "المدينة المختلطة" في الخطاب الإسرائيلي بوصفه نموذجًا حضريًا للتعددية والتعايش، يوحي بصورة مدينة منفتحة يتقاسمها السكان من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة، غير أن التجربة العملية تكشف أن هذا المفهوم يخفي وراءه صيغة سياسية - ديموغرافية مغايرة، تقوم على أغلبية يهودية مهيمنة تتحكم في القرار السياسي وتوزيع الموارد، في مقابل أقلية فلسطينية محاصَرة داخل مساحات جغرافية ضيقة، ومعزولة اقتصاديًا وثقافيًا، ومحرومة من أدوات التأثير الفعلي.
في هذا الإطار، يتحول الحضور الفلسطيني إلى عنصر ثانوي يمكن التحكم به وإدارته، ويُدمَج قسرًا في منظومة قانونية وإدارية صُممت لإضعاف الهوية الوطنية وإفراغ الانتماء من مضمونه السياسي، وهكذا يصبح "التنوع" واجهة تجميلية، بينما الواقع يقوم على إدارة مجتمع مستعمَر ضمن معادلة قوة غير متكافئة.
تعد هذه المعادلة إعادة إنتاج لما جرى في مدن الداخل الفلسطيني بعد نكبة 1948، حين تحولت يافا وحيفا واللد والرملة وعكا من فضاءات عربية نابضة إلى مدن بأغلبية يهودية بفعل التهجير ومصادرة الأراضي وتغيير البنية السكانية، لتبقى المساحات العربية فيها تحت سيطرة بلديات إسرائيلية بلا سيادة أو قدرة على تقرير المصير.
• - أدوات الهيمنة والفارق بين البقاء والصمود
لم يعد نموذج "المدينة المختلطة" مجرّد فكرة مخفية في الخطاب السياسي، بل تحوّل إلى واقع يومي ملموس، تُرسّخه حزمة من الأدوات الحديثة التي تتجاوز أساليب السيطرة التقليدية، فالهيمنة لم تعد حكرًا على الجدار الفاصل أو الحواجز العسكرية، بل باتت تتجسّد في التخطيط الحضري الذي يعيد رسم الحدود، والسياسات العقارية التي تمنع الفلسطيني من التوسّع أو التملّك، والاستثمارات السياحية الدولية التي تعيد صياغة وظيفة الفضاء العام بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
ومع توسّع هذه المنظومة، برزت أدوات تحكّم جديدة، مثل المشاريع الثقافية المشروطة وأنظمة المراقبة الذكية، التي لا تكتفي بتنظيم الحركة، بل تحدّد أيضًا نوع الأنشطة المسموح بها، لتُعيد تشكيل المشهد دون الحاجة إلى إعلان رسمي بتغيير الهوية، وأمام هذا الواقع، يختلط على البعض الفرق بين البقاء والصمود: فالبقاء يعني أن تظل في منزلك رغم أوامر الهدم، أو تدير متجرك رغم القيود، أو تحتفظ بهويتك رغم تهديد سحبها، أما الصمود، فهو استراتيجية واعية تتجاوز مجرد البقاء، لتحمي التعليم الفلسطيني من الأسرلة، وتبني اقتصادًا محليًا أقل تبعية، وتطلق مبادرات ثقافية وإعلامية تحفظ الرواية الفلسطينية وتعيد إنتاج الانتماء.
إن الاكتفاء بالبقاء السلبي قد ينتهي بالاندماج القسري في الرواية الإسرائيلية، بينما الصمود فعل مقاومة متجدد يرسّخ الحضور الفلسطيني كجزء أصيل لا يمكن انتزاعه من هوية المدينة.
• - تسريع الهيمنة تحت لافتة "التطوير"
استفادت إسرائيل من المناخ السياسي بعد الاعتراف الأمريكي لتنتقل من إدارة الهيمنة تدريجيًا إلى تسريعها، عبر مشاريع كبرى أعادت رسم الخريطة العمرانية والديموغرافية للقدس، تُقدَّم هذه المشاريع للعالم كخطط لتحسين البنية التحتية أو تعزيز السياحة، تخفي أهدافًا استراتيجية تتمثل في تقليص الحيز الفلسطيني وتعزيز الاندماج القسري.
فمشروع "القدس الكبرى" يوسّع حدود البلدية لابتلاع مزيد من الأراضي وربط المستوطنات بالمدينة، بينما يسعى "الحوض المقدس" إلى إحكام السيطرة على محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى من خلال دمج التوسع العمراني بالمشاريع السياحية والدينية، أما ممر E1 فيربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس، في خطوة تعزل شمال الضفة عن جنوبها وتغلق إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، وبالتوازي، تعيد مشاريع مثل التلفريك والقطار الخفيف صياغة الاتصال الجغرافي بين الأحياء الاستيطانية ومراكز المدينة التاريخية، فيما تُعاد هيكلة المشهد السياحي لتحويل البلدة القديمة إلى واجهة عالمية بإدارة إسرائيلية، مع تهميش الأسواق الفلسطينية وحصرها في أطر تجميلية خاضعة للرقابة.
• - استراتيجيات المواجهة
مواجهة مخطط "المدينة المختلطة" تتطلب انتقالًا من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، عبر استراتيجية فلسطينية شاملة تعالج البعد الديموغرافي، والاقتصادي، والثقافي، والقانوني، وتقوم هذه الاستراتيجية على محاور مترابطة:
1. 1. تثبيت الوجود السكاني: إنشاء صناديق إسكان مجتمعية لمواجهة التهجير وارتفاع أسعار العقارات، وتوفير دعم قانوني محترف لمواجهة سياسات الهدم وسحب الهويات، مع الاستثمار في ترميم المنازل العربية وتوسيع البناء في الأحياء الفلسطينية ضمن الإمكانيات المتاحة.
2. 2. تحصين التعليم: حماية المنهاج الفلسطيني من محاولات الأسرلة، وتطوير بدائل تعليمية نوعية خارج سيطرة بلدية الاحتلال، بما في ذلك التعليم الرقمي والمبادرات المجتمعية التي تعزز الانتماء الوطني وتغرس الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة.
3. 3. بناء اقتصاد محلي مقاوم: دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء أسواق مجتمعية وتعاونيات إنتاج تضمن دوران رأس المال داخل المجتمع المقدسي، وفك الارتباط الجزئي عن سلاسل التوريد التي يتحكم بها الاحتلال.
4. 4. تعزيز الثقافة والإعلام: إنتاج محتوى ثقافي وإعلامي يرسخ الرواية الفلسطينية، وينافس على الفضاء الرقمي الدولي، ويعيد تعريف القدس في الوعي العالمي كمدينة فلسطينية عربية، بعيدًا عن الرواية الاستعمارية.
5. 5. تفعيل الجبهة القانونية والدبلوماسية: توسيع العمل القانوني في المحاكم الدولية، واستثمار أدوات القانون الدولي الإنساني لحماية التراث والوجود الفلسطيني، مع بناء تحالفات دولية تفرض ربط أي تمويل أو استثمار خارجي بمبدأ عدم المساهمة في التهويد أو تغيير الطابع الديموغرافي للمدينة.
بهذه الرؤية، يصبح الصمود فعلًا مبادرًا يؤسس لمسار وطني يحمي هوية القدس، ويصون مكانتها كرمز إنساني، ويمنع تحويلها إلى مدينة بلا روح، وذلك عبر إرادة سياسية حقيقية ورؤية جماعية ومسؤولية فردية على كل فلسطيني وعربي وإنسان حر.
• - الخيار الحاسم
تجد القدس نفسها اليوم أمام مفترق مصيري: إما الانزلاق إلى واقع "المدينة المختلطة" بما يحمله من هيمنة وتآكل للهوية، أو اختيار مسار الصمود الفاعل لترسيخ وجودها الفلسطيني، فالمواجهة لم تعد على الأرض فقط، بل على المعنى والذاكرة والرواية، ما يتطلب وعيًا جماعيًا ورؤية استراتيجية تحوّل البقاء إلى صمود مقاوم يحمي الحيّز الفلسطيني ويطوره، لتبقى القدس عربية الجذور، إنسانية المعنى، لا مجرد صورة تجميلية في سردية الآخر.
————————————————————————————
تجد القدس نفسها اليوم أمام مفترق مصيري: إما الانزلاق إلى واقع "المدينة المختلطة" بما يحمله من هيمنة وتآكل للهوية، أو اختيار مسار الصمود الفاعل لترسيخ وجودها الفلسطيني، فالمواجهة لم تعد على الأرض فقط، بل على المعنى والذاكرة والرواية





שתף את דעתך
كيف تواجه القدس مخطط التحول إلى "مدينة مختلطة"؟