تتحرك آلة الاحتلال في غزة دون إعلان رسمي، في تمهيد لابتلاع أجزاء متواصلة منها، فيما يمكن وصفه بالاحتلال "الصامت"، الذي بدأ على الأرض قبل أي إعلان رسمي، هذا العدوان ليس طارئا، بل هو امتداد لاستراتيجيات قديمة، بدأت بتقطيع أوصال القطاع عبر الممرات "الأمنية"، وصولا الى الهجوم الواسع تحت مسمى "عربات جدعون"، لسحق البنى التحتية للمقاومة وتحويل مدن القطاع الى أطلال.
الغارات الجوية والتوغلات البرية تحولت مؤخرا الى سياسة ثابتة، حيث يتم استهداف احياء الشجاعية والتفاح والزيتون بشكل مركز، وباحتلالها - لا قدر الله - يكون الاحتلال قد هجر قرابة ربع مليون فلسطيني قسرا، وسيطر على أكثر من ثلث محافظة غزة، اللافت ان هذا العدوان يسير دون اعلان رسمي، وكأن المطلوب تحقيق الاحتلال دون الاعتراف علنا، في محاولة للالتفاف على "الضغوط الدولية".
يمكن تفسير سلوك جيش الاحتلال بأنه غير متأكد من قدرته على النجاح، او من مستوى ردود الفعل الدولية اذا ما اعلن عن الاحتلال الكامل، فالتجارب السابقة اظهرت ان التوغل في بيئة مكتظة يفتح الباب لحرب شوارع، تستنزف قواته وتؤدي لخسائر بشرية كبيرة، كما ان الاعلان سيضع حكومة الاحتلال في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، وقد يحرجها مع شركاء اقليميين اساسيين، لذلك، فان هذه العملية "الصامتة" تبدو كما لو انها اختبار مزدوج؛ لكنه لا يتم على الورق، بل على دماء الفلسطينيين، فمن جهة هي اختبار لقدرته على التقدم والسيطرة، وفي ذات الوقت، لقدرات المقاومة على الصمود، هذا من جهة، اما من الجهة الاخرى، فهي اختبارا لحدود الصمت الدولي، والى اي مدى يمكن ان يذهب في عدوانه دون ان يدفع ثمنا ماديا او سياسيا باهظا.
هذا المسار يعكس أيضا الخلافات المتصاعدة بين المستويين السياسي الذي يميل لخيار الاحتلال الكامل وفرض الحكم العسكري، او عبر وكلاء محليين، والعسكري، الذي يميل لخيار الحصار وتقطيع اوصال القطاع، وبالتالي تفكيك معاقل المقاومة، لتجنب الخسائر البشرية والتعقيدات السياسية، ومع ذلك، فان هذه الخيارات تتقاطع عند نقطة واحدة؛ تحويل غزة الى ساحة استنزاف طويل، سواء كان ذلك عبر السيطرة الكاملة، او الحصار المستمر.
وبالنظر الى هذه الاستراتيجية، يمكن ملاحظة انها ليست سوى محاولة لتفادي كلفة الاحتلال المباشر، من خلال صناعة واقع ميداني يفرض على الفلسطينيين التهجير تحت ضغط القصف والدمار، لكنه محفوف بمخاطر كبيرة، اذ يفتح الباب امام مقاومة أوسع، وحرب شوارع طويلة الامد، فضلا عن ازدياد حدة الاحتجاجات داخل الكيان، والذي يواجه انقسامات داخلية، وضغوطا من عائلات الاسرى، فضلا عن الراي العام المنهك من حرب لا تبدو نهايتها قريبة.
استمرار هذا النمط سيؤدي الى تعميق الكارثة الانسانية في غزة، وربما يتوسع العدوان الى قلب المدينة، ما يعني المزيد من الشهداء والدمار، لكنه ايضا سيخلق مناخا دوليا أكثر رفضا لسياسات الاحتلال، وقد يدفع بعض القوى الكبرى لإعادة تفعيل مسارات تفاوضية برعاية عربية ودولية، فالاحتلال الصامت قد يحقق تقدما ميدانيا مرحليا، لكنه بالمقابل يفاقم عزلة الكيان، ويؤسس لجولات جديدة من المواجهة.
في مواجهة ذلك، ثمة حلول عملية ممكنة يمكن البناء عليها، تبدأ باستثمار الرأي العام العالمي المتعاطف، وتحريك المؤسسات الدولية لمساءلة الاحتلال على جرائمه، مرورا بتنظيم الجهد المدني والاغاثي لضمان وصول المساعدات وحماية النازحين، وصولا الى مبادرات فلسطينية جامعة تعيد ترتيب البيت الداخلي وتمنع استفراد الاحتلال بالقرار، كما يمكن للدور العربي والاسلامي ان يشكل مظلة دعم ضاغطة، عبر رعاية تفاهمات توقف حرب الابادة والتجويع، وتفعيل مسارات اعادة الاعمار المشروطة بعودة النازحين ورفع الحصار.
ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد عملية عسكرية، بل محاولة متدرجة لاحتلال المدينة دون اعلان، احتلال يلتهم المدينة حجرا وبشرا، في صمت متعمد، والتصدي له يتطلب رؤية متماسكة تجمع بين كل من الصمود الميداني والحراك السياسي والدعم الدولي، حتى لا تتحول غزة الى مجرد فراغ جغرافي معد لاقتلاع سكانه، فغزة لا تختبر الاحتلال فحسب، بل تختبر ما بقي من انسانية لدى العالم.
ב 18 אוג 2025 9:23 am - שעון ירושלים
دون إعلان... احتلال صامت يلتهم غزة ويمتحن العالم!
أمين الحاج





שתף את דעתך
دون إعلان... احتلال صامت يلتهم غزة ويمتحن العالم!