قبل نحو عقدين، وتحديداً في صيف عام 2005، اتخذت دولة الاحتلال قراراً وُصف بالتاريخي بفك الارتباط عن قطاع غزة، حيث انسحب جيش الاحتلال من داخله وأُخليت المستوطنات الإسرائيلية المحيطة به. قاد هذه الخطوة آنذاك رئيس الوزراء أرئيل شارون، لأسباب قيل إنها أمنية بالدرجة الأولى، ومرتبطة باستحالة السيطرة على القطاع عسكرياً.
كان الهدف المعلن -بحسب تصريحات شارون في حينه- هو تقليص الاحتكاك بالسكان الفلسطينيين وتقليل تكلفة الاحتلال، في محاولة للهروب من "العبء الغزي" الذي لم تتوقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن التحذير منه منذ الانتفاضة الثانية. لكن ما بدا، ذات يوم، وكأنه انسحاب نهائي، يتلاشى في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.
في تطور لافت، صدّق المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) على خطة احتلال مدينة غزة وتوسيع العمليات العسكرية في القطاع. ليست هذه المرة الأولى التي تطرح فيها فكرة احتلال غزة بالكامل، لكنها الأولى التي تقر بها الحكومة الإسرائيلية رسمياً خطة من هذا النوع.
يأتي ذلك وسط تصعيد ميداني مستمر، وتزايد الأصوات في اليمين الإسرائيلي التي تدعو إلى إعادة فرض السيطرة الإسرائيلية المباشرة على القطاع، بل وتهجير سكانه وإقامة مستوطنات جديدة فيه. كما يروج لذلك وزير المالية ورئيس حزب "الصهيونية الدينية"، بتسلئيل سموتريتش، الذي يكرر بلا مواربة "غزة جزء لا يتجزأ من إسرائيل".
يعود الجدل ذاته إلى الواجهة، لكن في سياق مقلوب تماما، فالحكومة الحالية صدّقت على خطة التحضير لاحتلال مدينة غزة.
يرى محللون أن هذه الرؤية لم تعد حكرًا على أطراف يمينية متشددة، بل تتغلغل تدريجياً في صلب القرار السياسي، مدفوعة بروح انتقامية بعد معركة "طوفان الأقصى" وبقراءة أمنية تعتبر غزة منطقة يجب "تطهيرها" من التهديدات، حتى لو كان الثمن معاناة ملايين المدنيين.
في مقال بصحيفة "هآرتس"، استعاد المحلل العسكري عاموس هرئيل تصريحات شارون عام 2005، حين برر فك الارتباط بعدم قدرة الجيش على حماية الجنود والمستوطنين داخل القطاع. اليوم، بعد مرور نحو عشرين عاماً على ذلك القرار، يعود الجدل ذاته إلى الواجهة.
وفق هرئيل، فإن رئيس الأركان، زامير، يرى أن هذه الخطة "كارثية" ويحذّر من تبعاتها، ما ينذر بتفاقم الأزمة داخل المؤسسة العسكرية. ويشير هرئيل إلى أن الخلاف بين نتنياهو وزامير لا يتعلق فقط بالرؤية العسكرية، بل ينطلق من عمق المأزق الذي وصلت إليه الحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
ويخلص بوحبوط إلى أن تصريحات شارون عام 2005 تعود اليوم لتطرح السؤال ذاته: هل ستعيد إسرائيل احتلال القطاع وتغرق في الفخ الذي خرجت منه، أم تمضي نحو مغامرة مكلفة أمنياً وسياسياً؟





שתף את דעתך
إعادة احتلال غزة.. رؤية انتقامية