א 03 אוג 2025 8:40 am - שעון ירושלים

الحاجة مريم عريض تنسج الذاكرة الحِرَفية بخيوط القش

رام الله -"القدس" دوت كوم- د. إيمان هريدي

سوق الحوش في البيرة القديمة.. تنشيط الاقتصاد المحلي عبر أدوات الثقافة والتراث

رفي مشهد يجسد استعادة الذاكرة الجماعية وربطها بالتحولات الحضرية والاجتماعية، شهدت مدينة البيرة، أول من أمس الجمعة، افتتاح فعاليات "سوق الحوش" في البلدة القديمة، بتنظيم من المركز الثقافي التابع لبلدية البيرة. هذه المبادره النوعية تأتي في إطار استراتيجية مجتمعية تهدف إلى تنشيط الاقتصاد المحلي عبر أدوات الثقافة والتراث، وفي الوقت ذاته إحياء الذاكرة المعمارية والوجدانية المرتبطة بـ"الأحواش" والأسواق الشعبية الفلسطينية التقليدية.

وقد حمل السوق في افتتاحه طابعاً رمزياً يتجااوز مفهوم السوق كحيز للتبادل التجاري، ليتحول إلى منصة حيوية تستعرض ثراء الحرف اليدوية الفلسطينية، وتعيد الاعتبار للموروث الشعبي بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية. وفي هذا السياق، يعد السوق نموذجاً لتكامل الاقتصاد الثقافي والتنمية المستدامة القائمة على الإرث المحلي.

أبرز مشاهد هذا السوق تمثلت في ظهور الحاجه مريم محمود عريض (أم يوسف)، وهي سيدة سبعينية من قرية جماعين جنوب نابلس، تقف شامخة كالسنديانة الفلسطينية، تطرز الحنين بخيوط القش، وتروي فصولاً من تاريخ لم تنطفئ جذوته، حضرت مرتدية اللباس القروي التقليدي لفلاحات شمال الضفة:  فستاناً أبيضَ مائلاً للصفرة، مزخرفاً بوردات بنية، يتوسطه حزام تقليدي، يكتمل بطقم شال أبيض يغطي شعرها. هذا الظهور لم يكن استعراضاً بصرياً فحسب، بل إعلانٌ رمزيّ عن عودة الحكاية الشعبية إلى فضاء المدينة المعاصر.

 

سردية الوطن عبر خيوط القش

 

تمثل الحاجة مريم واحدة من أبرز حاملات الذاكرة الحرفية في فلسطين، حيث تواصل منذ أكثر من ستة عقود نسج سلال القش يدوياً من سيقان القمح وأغصان الزيتون. هذه الحرفة، التي بدأتها في عمر السابعة على يد والدتها وعماتها، لم تكن مجرد وسيلة للزينة أو للادخار، بل كانت في جوهرها طقساً اجتماعياً يعيد إنتاج التضامن النسوي، والحضور الجمعي للنساء الفلسطينيات في فضاء الإنتاج غير الرسمي.

من خلال هذه الحرفة، التي تزامنت دوما مع مواسم الحصاد وقطف الزيتون والعنب، تتجلى علاقة الفلسطيني بالأرض، ليس فقط من منظور اقتصادي بحت، بل من منظور وجداني و ثقافي. كانت النسوة في جماعين يتبادلن القصص والأغاني والأهازيج أثناء إنتاج الصواني والسلال، في جلسات جماعية حملت طابعاً شعبياً تشاركياً، ما يبرز كيف أن الحرفة لم تكن معزولة عن السياق الاجتماعي، بل كانت جزءاً من نظام الحياة اليومي.

تقول الحاجة مريم: "بدأت أنسج القش منذ طفولتي، كنا نصنع صواني للخبز والفواكه، وسلالاً للقمح والتين والبندور والصبر، نستخدمها في الأعراس والمواسم زادة وزوادة كما كنا نقول، وكانت رمزاً للفخر والإنتاج".

ولم تكن صناعة القش بالنسبة لأم يوسف مجرد تراث، بل تحولت إلى مصدر حياة، لاسيما بعد وفاة زوجها وتركها وحيدة مع أطفال صغار. لجأت إلى هذه الحرفة بوصفها مورداً اقتصادياً بديلاً، ومن خلالها استطاعت أن تؤمن حياة كريمة لعائلتها، ولا تزال حتى اليوم تعيل ابنها المعاق وأحفادها السبعة.

 

تقنيات متوارثة وابتكارات فردية

ما يميز عمل الحاجة مريم ليس فقط التزامها بالشكل التقليدي للسلال والصواني، بل أيضاً قدرتها على تطوير أشكال جديدة من القش: براويز صور، تعليقات جدارية، مزهريات، وحتى ميزان مصنوع من القش، وهو بحسب وصفها "ابتكار لم يسبقني إليه أحد". هذه الابتكارات لا تخرج الحرفة من إطارها التراثي، بل تعيد تأهيلها لتتوافق مع ذوق المستهلك المعاصر، دون التفريط بجوهرها الأصلي.

عملية التصنيع التي تتبعها مريم تعد نموذجاً أصيلاً في التقاليد الحرفية: إذ تبدأ بنقع القش في الماء لتليينه، ثم تغليه مع الملح والشبة والصبغة في صاج كبير، قبل أن تجففه في الظل وتبدأ التشكيل اليدوي. وتستغرق صناعة صينية واحدة من القش ما بين 3 إلى 4 أيام، فيما قد تمتد صناعة صينية زخرفية كبيرة إلى أسبوع كامل، خصوصاً إذا كانت  من القمح النادر متوسط العرض.

 

من جماعين إلى الكويت: القش الفلسطيني في المعارض العربية

 

لم يقتصر حضور الحاجة مريم على السوق المحلي، بل تجاوز ذلك إلى المشاركة في معارض عربية في مصر والكويت، حيث عرضت منتجاتها كجزء من الحرف التراثية الفلسطينية. وقد لاقت أعمالها استحساناً وإقبالاً، لا لكونها جميلة فحسب، بل لأنها تحمل بعداً سياسياً وثقافياً عميقاً؛ تمثل فيه حضور المرأة الفلسطينية المنتجة، القادرة على الحفاظ على جذورها رغم تحديات اللجوء والاحتلال والتحول الحضري.

 

الهوية من خلال الحرفة: الاقتصاد الثقافي كمقاومة

من الناحية السوسيولوجية، تظهر تجربة "سوق الحوش"، والحاجة مريم على وجه الخصوص، كيف يمكن للاقتصاد الثقافي أن يتحول إلى أداة من أدوات المقاومة الرمزية. فالحفاظ على الحرف التراثية، كصناعة القش، ليس مجرد حنين رومانسي إلى الماضي، بل هو فعل متجذر في الدفاع عن الذاكرة الجمعية، واستمرارية الهوية في وجه محاولات الطمس والتغريب.

في السياق الفلسطيني، حيث تتعرض الأرض والإنسان معاً لمحاولات الإقصاء والتجريف، تصبح الحرفة التقليدية فعلاً مقاوماً بامتياز، إذ إن كل سلة قش تنسجها امرأة، مثل الحاجة مريم، هي بمثابة وثيقة تاريخية حية، تعبر عن علاقة الفلسطيني بالأرض، وبالإنتاج المحلي، وبنظام القيم الذي يُبنى عليه المجتمع.

الهوية، في هذا السياق، لا تُعرف فقط من خلال الشعارات أو المناسبات الوطنية، بل من خلال الاستمرارية اليومية في ممارسات متجذرة: في اللباس، في اللغة، في الزراعة، وفي الحرفة. ما تقوم به الحاجة مريم، وما يكرسه "سوق الحوش"، هو إحياء لهذه الهوية من خلال الفعل المادي؛ تحويل الذاكرة إلى منتج ملموس، يمكن لمسه واقتناؤه، والعيش معه في البيت الفلسطيني المعاصر.

إن تحويل هذه الحرف إلى أدوات للاستهلاك الثقافي لا يعني تفريغها من قيمتها، بل على العكس، إنه شكل من أشكال إعادة التدوير الرمزي للهوية، وإعادة دمجها في الحياة اليومية بطريقة تحافظ على أصالتها، وتمنحها في الوقت نفسه فرصة الاستمرار في سياقات حضرية وحديثة. من هنا، يمكن النظر إلى سوق الحوش باعتباره تجربة ثقافية شاملة، تربط بين التراث والاقتصاد، بين المرأة والفضاء العام، بين الحكاية الشخصية والتاريخ الوطني.

 

دعم مؤسسي لتكريس الحرف التراثية

وقد أشار القائمون على السوق إلى أنهم يعتزمون تنظيم هذه الفعالية بشكل شهري، بما يتيح الفرصة أمام العديد من الحرفيين والجمعيات النسوية والمبادرات الشابة لعرض منتجاتهم، وخلق شبكة دعم محلية تساهم في صون الموروث الثقافي، وتمكين الفئات المهمشة اقتصادياً.

وقال د. سعد عميرة، مدير المركز الثقافي في بلدية البيرة، في تعليقه على أهمية "سوق الحوش": "يشكل السوق محاولة جادة لإحياء الذاكرة الشعبية في فضاء البلدة القديمة، وتفعيل الدور الاقتصادي للتراث الثقافي، لا سيما في دعم الحرف التقليدية والمشاريع النسوية. الحاجة مريم ليست مجرد حرفية، بل أيقونة حية لصمود الحرفة في وجه النسيان والتهميش. من خلالها نستعيد جزءا من هوية فلسطين المتجذرة في الأرض والإنسان".

وأضاف عميرة: "نحن في المركز نؤمن بأن الحفاظ على التراث الفلسطيني ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وطنية. ومن هنا، نعتزم تنظيم سوق الحوش بشكل دوري كل شهر، بهدف دعم الجمعيات النسائية والمشاريع الناشئة التي تُعنى بإحياء التراث الفلسطينيى بمختلف تجلياته".

 

في الختام: امرأة وسلّة وسردية وطن

يمكن القول إن "سوق الحوش" هو مشروع اجتماعي ثقافي طويل المدى. وقد شكّل ظهور الحاجة مريم في افتتاحه لحظة رمزية بالغة الدلالة: امرأة تجاوزت السبعين، تحمل في يدها سلة قش، وفي قلبها فلسطين. لم تكن تبيع منتجاً، بل تروي سردية وطن. سردية لا تزال تنسجها بأطراف أصابعها، رغم الزمن والخذلان والوجع.

תגים

שתף את דעתך

الحاجة مريم عريض تنسج الذاكرة الحِرَفية بخيوط القش

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.